جانب من الإنتاج الأدبي بتطوان إبان فترة نفي المغفور له الملك محمد الخامس - بريس تطوان - أخبار تطوان

جانب من الإنتاج الأدبي بتطوان إبان فترة نفي المغفور له الملك محمد الخامس

بريس تطوان

يضطلع الأدب بالتعبير عن النفس وعن المجتمع والأماني القومية والأوضاع السياسية والاجتماعية للأمة، فقد حبا الله الإنسان موهبة البيان، للتعبير عن حاجاته ومطامحه وقضاياه ، وليرفع عقيرته بالشكوى إذا ما دعت الضرورة إليها، ويحمد الله على نعمه، كلما أصاب نعمة أو تفادى نقمة، ولذلك كان الأدب في كل عصر مرأة أوضاع الأمة، يكشف الخبايا، ويسجل الأوضاع، ويصف الرجال والنساء، ويبين عن الأخلاق والاتجاهات، ويضعنا في صورة الحقيقة أو صورة قريبة من الحقيقة لما يشوب الأدب من نوازع الخيال، ورموز المثال وضروب الاستعارة، وطرائف المجاز.

وكلما كان الأدب هو هذه الصورة التي ترتفع عن الصورة الآلية إلى مواقع الصورة الذهنية والعاطفية والإنسانية – فإن الأسلوب هو الرجل نفسه – كما عبر عن ذلك أحد نقاد الأدب – أو هو الوضع نفسه، من خلال تجارب الأديب وثقافته ومعارفه وحكمته وإدراكه، وبالنسبة لتاريخ الأدب، لا فرق في هذا بين أدب عربي، وأدب أجنبي، ولا بين بيئة مقفرة وبيئة متفرقة، ولذلك لم تنجح مقولة الأدب للأدب، ولا الفن للفن، فكل من الفنان والأديب يستمد من الواقع، ليرسم بالريشة أو بالقلم حقائق النفس ودقائق الوجدان، وإلا كان الأدب هذيانا، والفن عبثا.

ولما كان الكلام الاجتماعي غير محدود بإطار، يستوي في هذا كلام العامة والعلماء من كل اختصاص والفقهاء، فإن الأدب محدود، بكونه ذلك الكلام الراقي الرفيع المبين عن الفكر والعاطفة شعرا ونثرا، بينما يمتاز الشعر بدفق العاطفة وإيقاع الموسيقى وضوابط القافية والتفعيل، إلا أن كل منها يشترك في المقومات الأساسية التي هي اللغة والفكر والوجدان والصناعة الفنية   الراقية، وذلك حسب درجات الإتقان، حتى يكون الإنتاج سويا، وفقا لقوانين الإبداع، وضوابط الذوق والوجدان.

والأمة التي لا أدب لها، أو التي ضاع أدها، يضيع من وجودها قسط بقدر ما يضيع من ذلك الأدب، ويبقى من سجلها قدر ما يبقى منه، وقد هيا الله للأمة المغربية من كتب تاريخها الأدبي، وأبرز جانبا من تراثها في فترة من أحلك الفترات، هي الفترة الاستعمارية، فغاظ ذلك سياسة الحماية، فقررت حجب الكتاب الذي سجل ذلك التراث، وهو كتاب “النبوغ المغربي في الأدب العربي” للأستاذ عبد الله كنون، ومنع دخوله بعدما كان قد طبع في تطوان إلى المناطق الجنوبية، حرصا على أن لا تطلع الأمة على تاريخ نبوغها وارتباطها بقوميتها، وشعورها بذائها، وإمعانا من الاستعمار في محو ذاكرة الشعوب واختيارها المعنوي وحرمانها الاقتصادي والمادي.

ومن هنا أهمية موضوع المداخلة، وهو الذاكرة الأدبية لتطوان إبان فترة نفي المغفور له محمد الخامس – طيب الله ثراه – فتطوان – وهذا جزء من التاريخ ينبغي الوعي به كمدخل لأنواع الإنتاج الأدبي للمدينة في هذه الفترة – كانت عاصمة المنطقة الشمالية، ومقر الخليفة السلطاني، وكانت عبر التاريخ بعد سقوط سبتة السليبة في يد الاستعمار البرتغالي، قاعدة المغرب الشمالية، تذوذ عنه، وتحمي الحدود، وتصون السيادة، بقيادة ملوك الدولة المغربية، ولذلك أصيبت بالذهول عندما أخذ الاستعمار يبسط نفوذه على المغرب، وخاصة مناطقه الشمالية،

وبدا هذا جليا عندما احتل الإسبان مدينة تطوان في يوم عظيم من أيام الله هو يوم  الاحتفال بعيد المولد النبوي الشريف (يوم الأربعاء 12 ربيع الأول 1331هـ موافق 19 فبراير 1913م) بقيادة الجنرال الفاو القائد العام للقوات الإسبانية في سبتة والذي عين بعد هذا أول مقيم عام إسباني بالمغرب، وإزاء هذه الإدارة الاستعمارية، تم تنصيب إدارة وطنية شكلية في شخص الخليفة السلطاني مولاي المهدي ابن عم السلطان المولى يوسف بن الحسن، وذلك بدخوله تطوان في يوم 27 أبريل من السنة ……. وكان يوم دخول الإسبان إليها يوما كالحا إذ عاد بالذاكرة إلى تاريخ احتلال تطوان من قبل الإسبان عام 1860م، وإلى تاريخ مآسي الأندلس وطرد المسلمين منها، بعد محاكم التفتيش التي أذاقتهم سوء العذاب.

وعلى الرغم من الحزن وهول الواقع الأليم الذي حز في نفس سكان المدينة، فإن أهل المدينة استرجعوا العافية، واستعادوا الثقة بالنفس بظهور المقاومة المسلحة في الجبال، وبطولات المجاهدين في منطقة الريف وجباله، ثم بظهور بوادر الحركة السياسية أواخر الثلاثينات حيث ارتبطوا بها وبأهدافها وزعمائها، وفي طليعتهم سلطان المغرب الملك محمد بن يوسف الذي حلت محبته في سويداء القلوب وكان مناط آمال الأمة منذ اعتلائه عرش أسلافه المنعمين، وهذا ما عبرت عنه احتفالاتهم بعيد العرش كل سنة، منذ تولي مهام الملك وأعبائه، فقد كانوا بالمناسبة يقيمون الاحتفالات، ويسمعون شعر مديح دولته، ويعقدون العزم على تحقيق الأماني الوطنية، وقد تجلت مظاهر الوطنية كذلك في تأسيس حزبين سياسيين، هما حزب الإصلاح الوطني بزعامة عبد الخالق الطريس، وحزب الوحدة المغربية بزعامة الشيخ محمد المكي الناصري.

وخلال فترة تأسيس الحزبين، وهي فترة الأربعينات ظهرت الصحافة الأدبية والوطنية التي أذكت الشعور الوطني، وكانت مقدمة الإنتاج الأدبي لما عرفت تطوان من حركة أدبية إبان فترة نفي سلطان المغرب سيدي محمد الخامس – طيب الله ثراه – وكانت هذه الصحافة في أغلبها تعبر عن رأي التوجيه الوطني، وتدافع عن حرية المغرب واستقلاله وسيادته، وتؤكد الولاء للملك والعرش العلوي، كما يبدو من الجرائد الوطنية (الحياة) وجريدة (الريف) وجريدة (الوحدة المغربية) وجريدة (الحرية) وجريدة (الأخبار) للأستاذ محمد داود، وجريدة (الدستور) ومن المجلات التي كانت تسير في نفس الاتجاه مجلة (السلام) ومحلة (المغرب الجديد) ومجلة (الإرشاد الديني) ومحلة (الأنيس) ومحلة (لسان الدين) ومحلة (الأنوار) ومحلة (المعرفة)، وبهامش هذه الجرائد والمجلات جرائد ومجلات أخرى لم تصادم التيار ولكنها كانت أكثر تحفظا أو أكثر انشغالا بالخبر المجرد، أو الفكر الخالص الباحث عن الإبداع الأدبي المجرد، وإن كان ذلك لا يخلو من دلالات الوعي والإدراك.

وقد تحدث الأستاذ عبد الله كنون عن طبيعة هذا التيار الذي تعبر عنه هذه الجرائد والمجلات إذ يقول : “الوطنية في هذا الجزء من الوطن العزيز هي رد فعل ضد الوجود الاستعماري في ميدان التعليم الحر والتوعية الوطنية وجمع الكلمة وتوحيد الصف واستنكار التصرفات اللامشروعة في إدارة البلاد وفي السياسة العامة التي كانت تهدف إلى محو الإسلامية والعربية للمواطنين، وبالتالي إلى استتباع المغرب وجعله ذيلا لحكومة المستعمر عليه كل الواجبات وليس له من الحقوق شيء ويقول الأستاذ محمد العربي الشاوش : “الحركة الوطنية بشمال المغرب كانت حركة مومنة وحدوية منذ عهد الكتلة الوطنية أولا، وعهد حزب الإصلاح ثانيا، وإن حركتنا لم تتسم أبدا بسمة دخيلة يمينية كانت أو يسارية، بل كانت نابعة من الأصالة المغربية الإسلامية، وربما استفادت من تنظيمات سياسية في الشكل، أما المضمون فهو إسلامي مغربي أصيل، كما يشهد بذلك فكرنا وسلوكنا، وإن حركتنا كافحت كفاحا مجيدا من أجل الوحدة والاستقلال والمشروعية كما تشهد بذلك مواقفنا ووثائقنا…” وهذا الذي يقول الأستاذ محمد العربي الشاوش صحيح، يضاف إليه أن حركة الوحدة المغربية، كانت لها نفس المميزات والخصائص، فقد كانت حركة مغربية إسلامية، لا يمينية ولا يسارية، ترسخ الأصالة وتدعم الهوية وتعبر عن الارتباط بالوطن وبالملك والعرش المغربي.

ولقد وجدت الوطنية المنبثقة من تطوان ومن المنطقة الشمالية نفسها مرة أخرى على موعد مع النضال الوطني لدى زيارة المغفور له الملك محمد الخامس إلى مدينة طنجة، بوفود المنطقة الشمالية التي توجهت إلى استقبال جلالته بها عام 1947م وعلى رأسها خليفة السلطان بالشمال مولاي الحسن بن المهدي، حيث عبر الجميع عن الولاء والإخلاص للملك وللأماني القومية، وتمثل التعبير الأدبي في شكل خطب وقصائد أعدت للمناسبة، وفي الهتاف بحياة الملك والحرية والاستقلال.

العنوان: تطوان وثروة الملك والشعب “من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر

الناشر: المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير

(بريس تطوان)

يتبع


شاهد أيضا