جانب من الإنتاج الأدبي بتطوان إبان فترة نفي المغفور له الملك محمد الخامس -2- بريس تطوان - أخبار تطوان

جانب من الإنتاج الأدبي بتطوان إبان فترة نفي المغفور له الملك محمد الخامس -2-

بريس تطوان

ثم تطور التعبير بظهور بوادر المؤامرة ضد المغرب وضد عرش البلاد عندما دفعت فرنسا عملاءها من القواد والباشوات، وشيوخ بعض الطرق إلى توقيع عريضة لهؤلاء يوم 18 مارس 1953م تتهم السلطان بقيادة المغرب نحو الدمار لأنه يلعب لعبة الأحزاب السياسية غير المشروعة “كتاب التحدي 79” ثم توقيع جمع ما سماه الفرنسيون مطلب 270 توقيعا للوجهاء المعادي للسلطان، إذ استنكرت الصحافة الصادرة بتطوان هذه التحركات المعادية للمشروعية، والخارجة عن القانون، والمدفوعة من قبل سلطات الاحتلال، وكمثال على ما عبرت عنه صحافة تطوان هذه الافتتاحية لمجلة لسان الدين المعبرة عن رأي العلماء – لسان الدين، عدد شعبان 1372 – ماي 1953 – إذ تقول: “انعقد مؤتمر الطرقيين بفاس يوم ثالث أبريل المنصرم في ظروف أشبه بظروف المؤتمر الذي عقده كفار قريش في دار الندوة وحضره إبليس للائتمار بالنبي ﷺ كما وقعت الإشارة إليه في الآية الكريمة (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين).

وإن كان هناك من فرق بين المؤتمرين فإن مؤتمر مكة حضره إبليس متطفلا واغلا متنكرا في صورة شيخ من نجد، ومؤتمر فاس عقد بدعوة من إبليس نفسه وكان إبليس فيه صدرا مقدما رئيسا محترما. ولما انتظم عقد الجمع وافتتح المؤتمر للتضليل بتلاوة آية من الذكر الحكيم قام بعض الحاضرين ممن وقع بهم التغرير واقترح إرسال برقية لجلالة الملك تحية طيبة من وفود الطرقيين الجزائريين والتونسيين فبهت الذي كفر وأنقذ الموقف (زلنبر) فقال إن هذه التحية ستكون في الآخر وعند نهاية أعمال المؤتمر.

ولا يخفى على القارئ اللبيب ما يعني ابن إبليس بهذه النهاية إنما العناية الإلهية التي أنقذت محمدا صلى الله عليه وسلم من مكر المؤتمرين بمكة تداركت محمد الخامس فأنقذته من مكر المؤتمرين بفاس تحقيقا للوعد الصادق (وكان حقا علينا نصر المؤمنين).

دق جرس التليفون من وزارة الخارجية الفرنسية في الإقامة العامة بالرباط فتلقى المعتمد الأوامر الصارمة التي نفذها في الحين لغياب المقيم، فكان أن وقعت الصيحة بالمؤتمرين الذين حاصوا حيصة حمير الوحش ولما سقط في أيديهم ولم يغن عنهم (جالوت) شيئا دعوا بالويل والثبور وعظائم الأمور وتفرقوا شذر مذر وألزم جالوت نفسه بالخروج من فاس وعدم المبيت بها ليلته وقطع دابر القوم الذين ظلموا، والحمد لله رب العالمين).

هكذا فضح الله هؤلاء القوم وأخزاهم على يد أوليائهم وأنصارهم وظهر للناس عوارهم ولم يبق أحد يشك فيما يبيتون للإسلام وأهله من خيانة وغدر فهم براذن المستغلين ودعاة المستبدين اتخذوا الدين ستارا والصلاح شعارا وهم على هدم الدين يعملون ولمصالحهم الشخصية يمهدون، ولهذا فإنا نحارب أغراضهم السالفة وندحض دعاويهم الباطلة ولا تزيدنا الأيام إلا إيمانا وتثبيتا بما هم عليه من التلاعب بالدين والخديعة للمسلمين.

فهذه الافتتاحية تشجب التصرفات الاستعمارية وتصرفات العملاء، وتشبه ما وقع في مؤتمرهم بما وقع في دار الندوة حيث أشار إبليس بقتل نبي الله صلى الله عليه وسلم، ثم تتحدث عن نهاية ما توهمه العملاء، ولكن الله أنقذ محمدا ﷺ وينقذ محمد الخامس من مكر الماكرين، وظلم المفسدين، وكان حقا عليه تعالى نصر المؤمنين.

وقد تابعت هذه المجلة مثل كل المجلات والجرائد الصادرة في هذه الفترة أحداثها مظهرة بؤس السياسة الفرنسية، وتعاسة اختياراتها إذ تلتجئ إلى هذه الأساليب الملتوية لتكسو ثوب المشروعية ما ليس بمشروع، وتحاول نقض بيعة السلطان الذي أجمعت عليه الأمة، ووجبت طاعته ومحبته، وفي هذا تقول افتتاحية مجلة المعرفة عدد : 57 بتاريخ 20 رمضان 1372هـ 3 يونيه 1953م.

اهتز الشعب المغربي من أقصاه إلى أقصاه على إثر سماع خبر تلك العريضة التي أمضاها بعض العصاة المارقين من سدنة الاستعمار ومطاياه، وحملها شيخ هذه الطريقة الجديدة الجنرال كيوم ممثل فرنسا في المغرب إلى حكومة باريس، تقترح هذه العريضة خلع جلالة الملك محمد الخامس وقد تذرع خدام الطريقة الكيومية هؤلاء في العريضة التي تحمل أصابعهم لأنهم (كلهم الجهلة الأميين) بحجة مناصرة السلطان للحركة الوطنية الاستقلالية، وخروجه عن الحدود التي ترسمها الشريعة الإسلامية التي تهمهم المحافظة عليها، وهذه في نظرهم حجج كافية لخلع السلطان وإبعاده عن العرش.

ونحن لم نتساءل عن الصفة التي تخول لهؤلاء الولاة والطرقيين حق اقتراح خلع السلطان، كما أننا لن نتساءل عن شكل هذه (الشريعة) التي تصدى هؤلاء للدفاع عنها وحمايتها، هل هي شريعة جديدة تدعو إلى نبذ كل حياء وفضيلة، والانسياق للأهواء الشيطانية التي تمليها إرادة الاستعمار الرجيم؟ أم هي شريعة تبيح الخروج عن الملة والمروق عن الإسلام السمح الذي أوضح: إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا، لست منهم في شيء.

لن نتساءل عن كل ذلك لأننا نعلم أن هذه الجماعة المارقة لا تمثل شيئا، وأنها دمى تحركها أيدي الاستعمار كيف تشاء ولأننا نريد أن نأتي البيوت من أبوابها، وأن نعر إلى الموضوع من مسالكه الحقيقية.

إن المغرب يضيف هذا العام الجديد الذي تقوم به فرنسا على يد ممثلها ومن ورائه شرذمة من المعمرين الجشعين يضيفه إلى ملف قضية المغرب الوطنية، حجة دامغة على الاعتداءات الصارخة التي ترتكبها فرنسا ضد سيادة المغرب وضد عاهله العظيم.

ونشرت الجرائد الوطنية بتطوان كذلك ردود الفعل المستنكر للسياسة الفرنسية، كما تمثلت في تمسك المجلس العلمي بفاس ببيعة الملك، واستنكار علماء المغرب قاطبة واستنكار بعض الزوايا المغربية بالجنوب، وعدد من الباشوات والقياد والأشخاص المغرر بهم ممن أمضوا وثيقة الاستعمار، في حين كانت تطوان سباقة إلى إعلان تأكيد بيعتها وولائها لملك المغرب مفتخرة بمواقفه الشجاعة، وسياسته الرشيدة، وجهوده لتحقيق استقلال المغرب ووحدته، في الوثيقة التاريخية التي تحمل أكثر من ألفي توقيع للعلماء والفقهاء والشرفاء والأعيان وممثلي كل المجتمع.

ومع هذه الغضبة التي أعلنتها الأمة، فإن السياسة الاستعمارية سارت في طريقها المرسوم، وأقدمت على نفي محمد الخامس وأسرته يوم 20 غشت عام 1953م وهو ليلة عيد الأضحى من، وقد فجر التصرف غضب الأمة وسخطها، وكان بداية ثورتها – السنة الهجرية 1372 هـ ثورة الملك والشعب – التي أقضت مضاجع المعمر وألحقت به خسائر فادحة في الجنوب والشمال، وسارع الوطنيون إلى إعلان رفض سياسة فرنسا، وبادرت المنطقة الشمالية إلى إعلان رفضها وغضبها واستنكارها وعدم اعترافها بابن عرفة سلطانا، وأدى الخليفة السلطاني بالمنطقة مولاي الحسن بن المهدي صلاة العيد باكيا، وكان الدعاء في الصلاة للسلطان الشرعي سيدي محمد بن يوسف، وأعلنت سلطة الحماية الإسبانية بالمغرب تأييدها للسلطان الشرعي وعدم الموافقة على تغيير السلطان بإرادة منفردة للفرنسيين، وصارت تطوان ومدن المنطقة مراكز للفداء والتحرير، وعبأ الشعب كل قواه لإحباط المؤامرة ورجوع السلطان معززا مكرما والحصول على الاستقلال، وكان للصحافة دور في هذه المعركة الحامية التي كانت تتطلب التعبير عن الأماني القومية، واستجاشة المشاعر الوطنية، وتكذيب المزاعم الاستعمارية والدعوة إلى التضامن والتآزر لتحقيق المطالب القومية وتسجيل الوقائع والأحداث والمشاعر والمواقف. ووافق هذا كله نشاط أدبي كانت له جذور فيما كان يكتب الأدباء والمثقفون والشعراء من مقالات وأبحاث وقصائد، فقد كان الموقف يقتضي أن يكون الأدب واقعيا، وأن ينال حظا من تصوير واقع الأمة وأزمتها، وكيفية الخروج منها.

وهذا ما يمكن إظهاره من خلال أنواع أدبية أربعة، هي التي غطت هذه الفترة، وهي المقال والخطبة والقصيدة الشعرية والنشيد الوطني، أما المقال فالمقصود به هنا المقال السياسي الذي يخدم الهدف القومي والوطني، وقد كان بطبيعته ملتزما بالقضايا القومية للأمة، ويتصدر افتتاحيات الصحف، وهو يتسم بالحيوية والتدفق والصدق والجودة والابتكار، وله كتابه الذين كانوا في بعض الأحيان يوقعون بأسمائهم، ويتركون التوقيع أحيانا أخرى لكون المقال يعبر عن الرأي العام كله، ومن أبرز كتاب المقال السياسي في هذه الفترة عبد الخالق الطريس ومحمد العربي الشاوش ومحمد الطنجي والتهامي الوزاني وعبد الله كنون ومحمد العربي الشويخ وحسن المصمودي وعبد القادر هيدور، وأما مواضيع المقالات فهي القضية الوطنية، وهذه أمثلة منها حسب العناوين الفرعية التي أضعها تسهيلا لمتابعة قراءتها :

1 – الشعب المغربي لا يقبل أنصاف الحلول: هو موضوع المقال المنشور في جريدة الشهاب الصادرة بتاريخ 01 غشت 1954 عدد 272، إذ يبرز المقال مطالبة المغرب بحقه في الحرية والاستقلال وعودة الملك وأسرته:

منذ أن عزل جلالة الملك الشرعي للبلاد المغربية، وأمتنا الكريمة في غليان مستمر، وفي قلق واضطراب شاملين، لأنها كانت ترى في عاهلها وملكها العظيم رمزا لأمانيها ووحدتها ولأنها كانت تعتبره لسانها الناطق، وحارسها الأمين فلما عزله الاستعمار الفرنسي أدركت الأمة المغربية أن الفرنسيين غير مستعدين لأية مفاوضة أو تفاهم، كما إنهم برهنوا على إلهم ضربوا عرض الحائط بالالتزامات الدولية، ومعاهدني الجزيرة والحماية نفسهما اللتين تعترفان بسيادة المغرب واستقلاله. ولأجل أن ينفذوا برنامجهم الاستعماري السخيف – بمعاونة القردة والخونة والمتنطعين، خطفوا جلالة الملك من عرشه المقدس في يوم مقدس، في عيد الأضحى الفارط ولعلهم كانوا يظنون بأن المغاربة ستلهيهم رائحة (الشواء) وأطباق اللحوم – لحوم الضحايا – والحلويات المتنوعة المختلفة الأشكال فيسكتون ويستسلمون وينامون ولا يستيقظون !

ولكن هيهات! لقد تبدلت أحوال الأمة المغربية ولهضت لهوضا لا شك فيه، ولقد أذاقت الاستعمار وأذناب الاستعمار في هذه الآونة ما تقشعر منه الأبدان. فلا السجن ولا الاعتقال يخيفهم، ولا الإعدام يقعد الشعب المغربي عن إبداء حيويته ووجوده، ولا (أنصاف الحلول) صارت تروق المغاربة الأحرار. إن الذي يروق الشعب المغربي هو أن يرى وطنه حرا موحدا مستقلا ويرى عرشه قد جلس عليه من دافع عن كيانه، وأبدى شجاعة وبسالة أبهرت العالم بأسره، إمام مصالح بلاده ذلكم هو جلالة الملك المفدى سيدي محمد بن يوسف (نصره الله).

2 – الشعب المغربي لا يقبل بسلطان بديل، جملة من مقال نشرته صحيفة الأمة – عدد : 179-24 مارس 1954 توضح فيه تشبث الشعب بملكه وأنه يعتبر ابن عرفة السلطان المنصب من قبل الفرنسيين لا وجود له يقول المقال:

ألا فليعلم أصدقاء المغرب وأعداؤه أن الشعب المغربي لا يبغي بغير سلطانه الشرعي بديلا ولا يقبل بتاتا أي نقاش في هذا الموضوع، ألا فليعلم العالم أن المغاربة لا يعتبرون أن هناك سلطانا بالرباط، فكل ما هناك صورة جامدة تحركها الأيدي الفرنسية وتتستر من ورائها لغصب ما بقي من سيادة المغرب، ألا فليعلم الأجانب أن ابن عرفة سواء أكان حيا أو ميتا فهو عند المغاربة غير موجود، بل حتى لقب المغتصب لا يصح أن يطلق عليه، إذ ليس ابن عرفة سوى آلة تستعملها الإقامة العامة الفرنسية لهدم كيان المغرب.

فهل يعقل والحالة هذه أن يعقد المغاربة مع الفرنسيين صفقة بمقتضاها يتنازل المغاربة عن سلطانهم محمد الخامس مقابل تنازل الفرنسيين عن سلطانهم ابن عرفة؟

لقد قال الأستاذ الطريس لمبعوث جريدة الجمهورية “والله لو جاءونا بملاك وسألونا أن نقبله سلطانا عوضا عن محمد الخامس لما قبلنا” وقال الحاج أحمد بلفريج الأمين العام لحزب الاستقلال في استجواب له صدر بالجريدة الرسمية لوبسير فاتور بتاريخ 26 يناير “ليس على المغاربة أن يقترحوا الأساس الذي يمكن أن تبنى عليه المفاوضات لاستئناف المعاملة بين البلادين، فذلك من واجب فرنسا لألها . المسؤولة الأولى والأخيرة عن الأزمة الحالية، فعلى الحكومة الفرنسية أن تعلن سياسة جديدة أما المغاربة فالعالم بأسره يعلم بألهم يطلبون الاستقلال وأنهم هن هذه النقطة ليسوا بمزحزحين ولا يمكن مطلقا الدخول في أية مفاوضات ما دامت الوضعية الحاضرة مستمرة، وما دام الفرنسيون يطلقون على الشخص المسمى (ابن عرفة) “لقب سلطان، وما دام المعتقلون السياسيون وعلى رأسهم الملك محمد الخامس لم يطلق سراحهم ويرجعوا لديارهم”.

العنوان: تطوان وثروة الملك والشعب “من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر

الناشر: المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير

(بريس تطوان)

يتبع


شاهد أيضا