ثقافة نشر الغسيل - بريس تطوان - أخبار تطوان

ثقافة نشر الغسيل

في ظل التطور الرقمي، شهدت العلاقات الإنسانية، تغيرا ملحوظا جلّيا، إذ في الوقت الذي كان يُتوقع من وسائل التواصل الإجتماعي المُتعددة أن تقوم بالدور المنوط بها، والذي يتجلى في تسهيل “التواصل” وتقريب البعيد، انقلبت الأدوار وباتت البشرية عجينة سهلة تطوعها هاذي التطبيقات كما شاءت، بل وساهمت في إبعاد القريب.

ليتبدل مفهوم العلاقات بتغير “سياسة” التطبيق، ويصير “نشر الغسيل” ثقافة أغلب سكان المواقع.. إذ تجد نفسك داخل الحياة الشخصية لأناس لا تعرفهم حتى، تعيش يومياتهم، وتُتابع أخبارهم، وتُبدي رأيك في خصوصياتهم ومشاكلهم العائلية .. بل يُمكنك أيضا أن تتدخل فيما لا يعنيك، باعتباره حقا مشروعا وواجبا تقوم به تجاه هذا الشخص “الذي لا تعرفه” بشكل شخصي..

مُفارقة عجيبة هذه التي أصبحنا نعيشها، حتى صارت ثقافة “نشر الغسيل” العاطفي منه، والأسري، والاجتماعي، والاقتصادي أيضا، شرط أساسي، يتوجب على من يلج العالم الافتراضي الالتزام به، حتى يجني أكبر عدد من المتابعين ثم هامشا ربحيا مُحترما..

وبالرغم من أننا نحيا داخل هذه الدوامة، تجدنا نتسائل ما الدوافع التي تدفع حديثي الزواج إلى الطلاق يا ترى؟ ما الأسباب التي تجعل العلاقات الإجتماعية والإنسانية تنهار وتتفكك؟ وما الذي يوسع رقعة الأمراض النفسية لدى الكبار والصغار.. من اكتئاب وانطواء وتوحد وعقد شتى؟.. وكأننا نجهل الدور الذي تلعبه الأيادي الخفية في زعزعة الكيان الاجتماعي والنفسي والإلقاء بهما إلى الهاوية..

هي ثقافة “نشر الغسيل”، والتي سادت العوالم الإفتراضية، تلعب على الحبلين وتؤذي الطرفين، المُنتج والمُتلقي، إذ تجعل حياة الأول فرجة للجميع، وتُفقدها خصوصيتها، بينما تُساهم في إكتئاب الطرف الثاني من خلال المقارنات التي  يقوم بها بين حياته “الرتيبة” و “الروتينية” وحياة الآخر المعروضة أمامه والحبلى بالنشاطات والتي غالبا ما تكون “تافهة”..!!

 

لنعود ونطرح السؤال: لماذا فتحنا المجال أمام وسائل التواصل الإجتماعي لهذا الحد؟ كيف سمحنا لها بانتهاك خصوصياتنا؟  تلك التي حينما اخترعت، جاءت بغرض الترفيه والتسلية، وتسهيل التواصل بين الأشخاص، وكذا نشر الإفادة والتحريض على التغيير للأفضل من خلال عرض ما هو تحفيزي وما يُساهم في تطوير الفرد إلى الأحسن.. كيف تجاوزت البشرية كل هذه الأهداف النبيلة، وانساقت خلف سفاسف الأمور؟ لتجد نفسها اليوم وقد جُرفت نحو الهاوية، تعيش التفكك واختلالات شتى في نظامها الذي من المفترض أن يقوم على قيم الانسانية، من تآزر وتلاحم وترابط وتآخي.. !

وسائل التشتت الإجتماعي، سيّرتنا بدل أن نُسيرها.. وحكمت علينا بالانسياق خلف أمور، نحن في غنى عنها..

وسائل التشتت الاجتماعي، طمست ثقافة نشر المعلومة، ونشر الإفادة، ونشر الأخبار، ونشر الإيجابية.. لتستبدلها بثقاقة “نشر الغسيل”، وكم هو مخجل أن ينشر الفرد غسيله أمام الملأ.


شاهد أيضا