توقفت المرأة الريفية عند مفهوم الحب لتجعل منه مفهومًا فلسفيًا يتغير بحسب تغير درجة العشق والهيام بين المتحابين؛ فتارة تراه عالم شقاء الأطراف وعذابها، وتارة تنظر إليه سرًا من أسرار سعادتهما.
الكلمة أو الميثاق
انطلقت المرأة الريفية من ميثاق الشرف لدى أهل الريف؛ فهم يعتبرون الكلمة شرف الإنسان، ورأس ماله؛ فالرجل عندهم هو الكلمة وليس شيئًا آخر غيرها، عليها تقوم الحضارة، وبها يصنع المجد. فالكلمة هي العهد والوفاء والصدق والنبْل وكل ما يرتبط بالإنسان بمعناه الإنساني؛ بل هي أساس بناء شخصية المرء بين أقرانه أو وسط مجتمعه، أو عبر الأزمنة المتعاقبة. فالكلمة هي الصورة التي يرسمها صاحبها لنفسه بوفائه وصدقه وإخلاصه.
يقوم تصوره هذا على نوع من الرسم البورتريهي لشخصه، فيحاول من خلاله أن يكسب تعاطف المتلقي معه، فيكون عليه. كما ترى جُويل جارد تامين، البحث عن الكيفية التي يمكنه التأثير بها في المستمع، وإيجاد كل السبل والوسائل التي يمكنها اللعب بها على أوتاره النفسية للتأثير فيه. فضاء صورة حسنة له داخل نصه الشعري هو محاولة من الشاعر لبناء الموقف الحسن لشخصه؛ ورغبة منه في استجلاء القيم الحسنة والرفيعة التي يراها في شخصه. لقد وظف الشعر الكلمة توظيفًا فلسفيًا وأخلاقيًا تعرف الحب وتسير به في المسار الصحيح الذي يقبل به المجتمع عامة، وتسمح به العائلة خاصة. تقول إحداهن معرفة الحب:
عواجي اعمهاد سدو وزرو ذو شار
وَازن غيخَاذعن عَلليف واغراس بو وار
تعريب:
تعالي نتعاهد تحت الحجر والتراب
من يخدع العهد بيننا فهو الخائن
لقد تحول الحب إلى ميثاق يصادق عليه الطرفان، وأصبح شرطًا أساسيًا في استمرار العلاقة بينهما، وسبيلًا في الوقت نفسه للتخفيف للتخفيف من حدة المعاناة التي تشعر بها الحبيبة. أرادت الشاعرة / الحبيبة، بطلبها هذا، تصحيح مسار العلاقة بينها وبين حبيبها، في الوقت نفسه، أمام صدقها ووفائها ورغبتها على العهد والميثاق الغليظ الذي يحكم عرف الحب إنسانيًا؛ فالعهد بالحب ميثاق غليظ يرسم طريق الوفاء والإخلاص والصدق بين الطرفين. وبالعودة إلى “الكلمة” الميثاق، الكلمة العهد، تكون الحبيبة قد رسمت لنفسها صورة الوفية المخلصة التي يرغب فيها الحبيب.
– البكاء وجها من وجوه حلاوة الحب
يقوم التصور الأول على الأثر الذي يتركه الحب في نفوس المتحابين؛ من حزن وشجن، وما يترتب على ذلك من بكاء، وعزلة وبحث عن الخلاص. ومن بين ما قيل في هذا المضمار قول إحداهن – فيما روته ميمونت عيسى – وهي تصف أثر العشق الذي نزل بقلبها، وحول حياتها إلى جحيم:
عاريجار عاربحار عارمان ذي زيواوان
لحب عاناش عارمار عيتاويذ عيطاطوان
تعريب:
يا بحرًا يا بحر، يا ذا المياه الزرقاء
حبك حبيبي، يعصرني بكاء
تربط المرأة الريفية العشق بالبكاء والدموع، فالحب بحسبها قرين العذاب واللوعة، لا يقترن براحة ولا باستقرار، بل بألم الفراق ولهفة الشوق، والسعي وراء اللقيا. وسر شدته في تسليم أهله أنفسهم للتعب، مع الاستمتاع التام عن راحة البال والبدن، فيحلو العشق بشدة الحزن وكثرة البكاء على الأحبة وتذكر ما جمعهم من لحظات الود، وما أصابهم من لوعة الفراق.
نقلا عن كتاب شعر أهل الريف لمؤلفه د.عمر القاضي
