تعايش.. أو انسحب في هدوء ! - بريس تطوان - أخبار تطوان

تعايش.. أو انسحب في هدوء !

لطالما مررنا من مواقف، استوقفتنا فيها ذواتنا، وانهالت علينا بالجلد والتأنيب والتعذيب ربما.. فوجدنا أنفسنا في صراع خارجي مع المحيط وداخلي مع الذات، في آن واحد.. ولطالما تضارب العقل والقلب، والمنطق والعاطفة، لينتج عن هذه الصراعات في كل مرة تصرفات ربما تكون “غريبة” في أحيان كثيرة، نقوم بها.. دون أن نشعر أو نتحكم..
فكيف يمكن للشخص أن يتوغل في صراعين في ذات اللحظة، وكيف يمكن للنفس أن تسجنه .. ليجد نفسه عالقا في دوامة لا يستطيع الخروج منها..؟

عوامل كثيرة تلك التي تتربص بنا كل يوم، وتتحكم في القرارات التي نتخذها والخطوات التي نأخذها.. عوامل كثيرة تجعلنا أسرى إطار نسكنه ونرفض لا إراديا التحرك خارجه.. يُسيرنا ويرسم طريقنا ويدفعنا للقيام بتصرفات شتى.. أحيانا نفهمها، لكن يحدث أن لا نعيها في أحيان كثيرة..

هي عوامل عديدة.. تستدعي منا التعرف عليها أولا واكتشافها قبل أن نطلب من الآخر أن يفهمنا، وكيف نطلب منه ذلك ونحن نظل عاجزين عن فهم أنفسنا.. فالكائن الأكثر تعقيداً على وجه الأرض هو الإنسان…!! مزيج من الأفكار والمشاعر والأحاسيس.. والعقد والأحلام والتطلعات والنوايا.. والتوقعات .. والذكريات المتراكمة… خليط بين الأخذ والرد.. والرغبات المتأججة في الانعتاق والهروب.. والتوغل والتورط..!! كائن لا يستطيع أن يفهم نفسه أولًا..!! فكيف يطلب من باقي بني جلدته فهمه؟!.

فمنذ الولادة يبدأ الانسان في امتصاص الطاقة التي تحيط به، ويتشبع بالمبادئ التي لُقنت له، والأفكار التي تسربت إليه، كما يشرع في تكوين شخصيته إنطلاقا من التجارب التي مرّ بها والمواقف التي مرّت عليه، وهو لا يزال في مرحلة الاكتساب، ليجد نفسه بعد أن يخرج لمعترك الحياة وقد كبر به العمر، شخصا غريبا عن مجتمعه، محملا بحمولة سُلمت له من البيت والمدرسة والزقاق الصغير الذي كان يسكنه رفقة أهله.. وهنا يبدأ الصراع بين العجينة التي كونته وبين الظروف التي تستوجب منه الإنصهار أحيانا والتقوقع أحيان أخرى..

وهذا لا يُفسر فقط الفجوة المُتواجدة بين الأجيال المُختلفة، والجنسيات المُختلفة، والديانات المُختلفة، بل يُزيح الستار أيضا على الفجوة الحاصلة بين أشخاص يعيشون في ذات المجتمع وربما في ذات البيت، لأن كل واحد من هؤلاء ينظر للحياة من الزاوية التي نما بداخلها وتَكوّن…

خلاصة الحديث، وعصارة الكلام.. لم نأتي لهذه الحياة كي نفهم البشر.. لسنا في حاجة لفهمهم أو التعمق فيهم.. لسنا مُطالبين بسبر أغوارهم والغوص بداخل نواياهم وعقولهم.. نحن مُطالبون فقط بالتعامل معهم.. بمُختلف مرجعياتهم واعتقاداتهم وأفكارهم وطبائعهم.. علاقاتنا الإنسانية المُتعددة مهنية كانت، دراسية أو عائلية حتى.. تُحتم علينا الاحتكاك بالبشر وتبادل ما يجمعنا بهم من أفكار وخبرات ومُعاملات.. لكن لا تفرض علينا فهمهم أو محاولة إعادة تربيتهم من جديد وتمرير العجينة التي كونتنا نحن، إليهم…
لكل منا عجينته ولكل منا عوامله.. افهم نفسك أولا وقف عند نقاط ضعفك وقوتك .. محاسنك وعيوبك.. وتعامل مع الأشخاص كما وجدوا وكما تعرفت عليهم.. وإن لم تستطع أن تتعايش مع أحدهم انسحب في هدوء دون أن تخلف ضجيجا خلفك.


شاهد أيضا