بريس تطوان
في إطار مواصلة تنزيل مشروع «منهاجية الإعمال الوظيفي للعلوم الإسلامية»، احتضن ورش علمي خامس أشرف عليه الأمين العام، في سياق تراكمي يستكمل ما تم الاشتغال عليه في اللقاءات السابقة ويعمّق مضامينه.
واتخذ هذا اللقاء من سورة الفرقان منطلقا منهجيا ومرجعية دلالية، باعتبارها ميزانا قرآنيا يميز بين الحق والباطل، ويوفر أرضية مفاهيمية لتوجيه النظر العلمي وضبط مساراته. ويأتي هذا التوجه امتدادا لمنهجية تعتمد استلهام السور القرآنية، بعد تخصيص الورش السابق لسورة الأنعام.
وركزت أشغال الورش على إعادة طرح سؤال جدوى العلوم الشرعية، باعتباره مدخلا لإعادة بناء العلاقة بين المعرفة ووظيفتها، حيث تم التأكيد على أن قيمة العلم لا تكمن في تراكمه، بل في قدرته على توجيه العمل وتحقيق المقاصد وتحمل المسؤولية.
وفي هذا السياق، دعا المؤطر إلى تجاوز أنماط التلقي الجامدة التي تعزل العلم عن مقاصده، نحو وعي يربط المعرفة بوجهتها، مستحضراً أهمية إدراك الإنسان لموقعه ومساره، وهو ما تم تقريب معناه من خلال تشبيه بمنظومة تحديد الموقع (GPS)، التي تقتضي وضوح الوجهة ودقة تحديد الموقع لضبط المسار.
كما أبرز الورش أهمية مراعاة تنوع حاجيات المتعلمين، من خلال تشبيه مجال العلوم بـ«السوق الممتاز» الذي يستجيب لاختلاف الطلب، مع التحذير من اختزال التكوين في تخصصات ضيقة أو فرض مسار واحد على الجميع، ما يستدعي توجيه العملية العلمية نحو التأهيل الوظيفي المرتبط بالواقع.
وشددت المداخلات على دور «الدينامية الجماعية» في تفعيل العلم، من خلال التواصي بالحق والصبر، مع استحضار النموذج النبوي في التلاوة والتنزيل والتطبيق، والعمل على استثمار السنة النبوية باعتبارها مرجعاً عملياً لتقويم السلوك الفردي والجماعي.
كما تم التأكيد على مركزية الحكمة في توجيه الفعل، باعتبارها وضع الشيء في موضعه المناسب، وفي وقته الملائم، وهو ما ينسحب على مختلف مجالات العلوم الإسلامية، من تفسير وحديث وأصول وفقه وعقيدة، بما يعزز البعد الوظيفي للمعرفة في بناء القيم وترشيد السلوك.
وتطرق الورش إلى بعض الاختلالات المرتبطة بطرق تأطير الوافدين الجدد إلى مجال العلوم، داعياً إلى إعادة النظر في مسارات التكوين من خلال بناء «حقائب عدة» تجمع بين التأصيل المعرفي والتأهيل العملي، وتراعي اختلاف القدرات والمواقع.
وفي امتداد لهذه الرؤية، تم التأكيد على ضرورة استحضار مركزية الوحي في توجيه النظر العلمي، وربط القصد بالفعل، مع استحضار البعد الأخروي في تحمل المسؤولية، والانتقال من الإدراك السطحي إلى الفهم العميق، اعتماداً على المفاهيم القرآنية المؤطرة للفعل الإنساني.
واختتم الورش بالتأكيد على أهمية استحضار القيم القرآنية، مثل الصبر والرشد واليقين، وتعزيز روح المسؤولية الفردية والجماعية في إطار تكاملي، بما يضمن توجيه العلم لخدمة المجتمع، والإسهام في إصلاحه.
ويخلص هذا التوجه إلى أن الإعمال الوظيفي للعلوم الإسلامية يشكل ضرورة حضارية، تهدف إلى بناء إنسان واعٍ بوجهته، منخرط في واقعه، وقادر على الإسهام في نهضة مجتمعه وفق ميزان قيمي مستمد من الوحي.
