تطوان وثورة الملك والشعب… كيف أعد الطريس الشمال؟ (الحلقة العاشرة) - بريس تطوان - أخبار تطوان

تطوان وثورة الملك والشعب… كيف أعد الطريس الشمال؟ (الحلقة العاشرة)

بريس تطوان

تحالف سياسي معقد لكنه ناجح:

كانت البداية بموقف سياسي متردد من جانب إسبانيا، واستطلاعي من جانب الوطنيين، ثم رسم خط مبدئي بخصوص وبدا وكأن الموضوع كله يجب أن ينحصر من وجهة نظر الإسبانيين، في الهجوم على فرنسا، ولكن بلا أفق سياسي واضح فيما يخص استقلال المغرب ووحدة ترابه، وهو الهدف الذي كان يساور الجانب الوطني، من خوض معركة كان عنوانها، عودة الملك الشرعي إلى عرشه.

ولكن الموقف كان بإجمال تحالفا سياسيا بين حزب الاستقلال والإدارة الإسبانية، هو ثمرة صفقة ثنائية أحد طرفيها علال والطريس وعبد الكبير الفاسي، الذي اتخذ مدريد مقرا له، والطرف الثاني يمثله بالينيو وفرانكو. وكان حزب الشورى والاستقلال على العكس من ذلك منطويا على تحفظ ملموس تجاه السياسة الإسبانية. وظهر سوء تفاهم مبكر دبين الزعيم محمد بن الحسن الوزاني الذي استقر لبعض الوقت في سبتة وبين الإدارة الإسبانية. ففي شهر شتنبر 1953 وقع تحريف تصريحات أدلى بها زعيم الحزب الأستاذ الوزاني إلى وكالة إيفي الإسبانية، فأصدر الزعيم المغربي تكذيبا شديد اللهجة. وأما من جانب علال والطريس فكانت تصدر بسيولة ملحوظة تصريحات تنويهية بالموقف الإسباني.

ولا شك أنه كانت لإسبانيا أهداف من وراء ذلك التحالف. ولا شك أن حسابات إسبانيا كانت مزدوجة، وهي القيام بعمل انتقامي تجاه فرنسا، والخروج بمكاسب لفائدتها على الرقعة المغربية، بتغيير الوضع السياسي والقانوني المرسوم في دائرة معاهدة الحماية. وكانت لها منذ زمان، مطالب لتعديل الحدود، وخامرتها أيام الحرب العالمية الثانية فكرة الحلول محل فرنسا في المغرب كله، وبدأت باحتلال طنجة، ريثما ثم إرغامها على الانسحاب منها بعد هزيمة المحور. ولكن الأوضاع العامية السائدة في الخمسينيات، وخصوصا عزلتها التي كان التقرب من المجموعة العربية، وسيلة للخروج منها، قد حدت من هامش تحركها، فالتزمت بموقف مبدئي بخصوص قضية العرش، ولم تخرج عن خطاب ودي تجاه العرب، وكان موقفها بخصوص المغرب، أحد تجليات ذلك الموقف الودي.

وفي جوهر الأشياء كان معروفا لدى القيادات الوطنية أن الدافع لإسبانيا كان هو الاستياء من تجاهل فرنسا لها. ولهذا أخذت تؤكد أنه ليس هناك شيء ممكن في المغرب أن يتم بتجاهل إسبانيا. واستمر الحنق من التجاهل هو المحرك للسياسة الإسبانية. فكما ذكر غداة 20 غشت، عادت إسبانيا في صيف 1955 تردد نفس العبارة، حينما أهذت فرنسا تبحث عن مخرج، وظهر أنها تتجه إلى تسوية مشكلة العرش، بل وحتى التخلي عن معاهدة الحماية. ففي ذلك الوقت من تحضير التسوية، أخذت إسبانيا تردد طيلة خريف 1955 وحتى اتفاق 2 مارس 1956 أنه “لا شيء يمكن أن يتم بتجاهل إسبانيا”.

ومن الجانب المغربي، كان التقرب من إسبانيا، تمرينا براغماتيا يعول عليه لجلب مكاسب لفائدة القضية الوطنية. وكان على الجانب الوطني أن يتحرك في نطاق محسوب. فكان مطلوبا ألا يقع خروج عن شرعية العرش. وعدم قبول فصل المنطقة الشمالية عن المغرب المشمول كله بمقتضيات معاهدة الحماية، واستمر الحال هكذا طيلة الأزمة الناتجة عن نفي الملك محمد الخامس.

إلى أن تم نشر وثيقة مكتوبة تضمنت محتوى آخر غير الذي كان يعبر عنه علنيا. ففي مذكرة وجهها علال الفاسي إلى مجلس الجامعة العربية في دورة انعقاده في يناير 1954 سجل زعيم حزب الاستقلال ما يلي:

“ومن مضاعفات هذه الأزمة أن المنطقة الخليفية ما تزال معترفة بأن محمد الخامس هو الملك الشرعي لمراكش كلها، وأن سمو خليفة السلطان مولاي الحسن بن المهدي في هذه المنطقة وسائر خطباء مساجدها ما يزالون معلنين ولاءهم للملك الأسير، وقد أعلن سمو الخليفة استنكار الأمة المراكشية جمعاء للاعتداء الفرنسي وصرح لمندوب “الأهرام” ثم للأمين العام  المساعد للجامعة العربية، بأن موقفه لم يكن إلا تعبيرا عما يشعر به مراكشي ومراكشية. كنا أعلن المندوب السامي لإسبانيا في هذه المنطقة عدم اعتراف بلاده بالوضع الحاضر في مراكش، لأنه اعتداء من فرنسا على الوضاع الدولية والمعاهدات القائمة بين مراكش وبين فرنسا وإسبانيا ودول معاهدة الجزيرة الخضراء جميعا. ولم يحضر القنصل العام الإسباني بمدينة الرباط مع السلك الديبلوماسي الأجنبي الذي حضر لتهنئة ابن عرفة بمناسبة عيد المولد النبوي الأخير”.

وهكذا فمما تقدم نتبين كيف أن تطوان أصبحت ذات مركز متميز غداة المرحلة التي دخل فيها المغرب بعد أحداث دجنبر 1952. وتهيأت في الوقت المناسب لكي تتحول إلى عاصمة للفعل الوطني في غمرة الأحداث التي تواصلت حتى 20 غشت 1953. وشهدت تلك الفترة تحركات حاسمة لبناء دور إيجابي مع إسبانيا ساعد على تطوير العمل الوطني من أجل الإسراع بعودة محمد الخامس إلى عرشه، وإعلانه يوم 18 نونبر 1955 انتهاء عهد الحجر والحماية وبزوغ فجر الاستقلال والحرية.

لقد شهدت المنطقة الشمالية نشاطا سياسيا وإعلاميا ولوجيستيكيا ودبلوماسيا، خلال سنتين حاسمتين، أدى فقط إلى التعجيل بالحل المنشود، بل على توفير الظروف الملائمة لكي يتم ذلك الحل في إطار المشروع الوطني الحافظ للسيادة، والوحدة الترابية.

العنوان: تطوان وثروة الملك والشعب “من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر

الناشر: المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير

(بريس تطوان)

يتبع


شاهد أيضا