• أزمة عقلية أم أزمة مؤسسات؟
إن تعقيد المشاكل المتنوعة التي تعيشها تطوان عمرانيا واجتماعيا وتجاريا وصناعيا وماليا، تدفع كل طرف من الأطراف المسؤولة عن المدينة أن تعتبر غيرها مسؤولا عن الأزمة الخانقة التي نتجت عن الوضعية الحالية للمدينة، والواقع هو أن جزءا كبيرا منها ناتج عن غياب التنسيق بين الأطراف المعنية، أو اتخاذها مواقف متناقضة تؤدي إلى إفشال تطبيق الحلول المناسبة. وعلى سبيل المثال نذكر أنه رغم اتفاق بلدية سيدي المنظري ووزارة الثقافة الحكومة الأندلسية بشأن ترميم مدرسة لوقش التاريخية، وهي معلمة من معالم المدينة العتيقة، فإن وزارة الأوقاف اعترضت على تنفيذ هذا المشروع باعتبار أن البناية في ملكها، بينما عجزت بلدية سيدي المنظري عن إيجاد حل مناسب لمشكل تجزئة المنطقة الصناعية بسبب ميزانيتها الضعيفة، ولم تنفهم وزارة المالية هذه الوضعية، فأبت إلا أن تحمل البلدية عبئا يفوق طاقتها، وفي حالات أخرى يدخل طرف بشكل غير مباشر، رغم اعتراض الطرف المختص، (بناء مكاتب في طابق إضافي على سطح محطة الحافلات رغم اعتراض الوكالة الحضرية على المشروع الذي تم بدون دراسة تقنية وشوه المنظر الخارجي للمحطة)، وفي حالات أخرى أيضا تقف المؤسسة المعنية مكتوفة الأيدي أمام مشاكلها، منتظرة أن تأتي الحلول من المؤسسات الأجنبية، (السوق المركزي للخضر واللحوم والسمك بتطوان مهدد بالسقوط، ورغم الأرباح التي تحصل عليها بلدية تطوان الأزهر من مداخيل هذا السوق المعروف عند العامة “بالبلاصا “، فإنها لم تقبل على ترميم بنايته في انتظار إدماجه ضمن برنامج ترميم البنايات التاريخية).
إن إنعاش التنمية الاقتصادية في تطوان يجب أن يكون في صالح السكان الأصليين وبتنسيق معهم، بدلا من استغلال هذه المدينة لصالح المستثمرين الأجانب في أحسن الحالات دون انعكاسات إيجابية على السكان.
وقد تتحق الآمال المعقودة على التقسيم الإداري للجهات في ولايتي طنجة وتطوان، إن تم توجيه هذه الجهة توجيها متوازيا قادرا على تلبية حاجيات جميع السكان. أما إن تناقض الخطاب الرسمي مع التطبيق كما هو الحال بالنسبة لجهة طنجة، فلن يؤدي ذلك إلا إلى خلق مركزية جديدة على مستوى الجهة، وخلل في التوازن تكون عواقبه اقتصادية واجتماعية وثقافية وخيمة على الجميع.
ويعتبر التهريب أخطر عنصر يهدد اقتصاد المدينة بعد انتشار الرشوة بها. ولا يمكن للتجارة الحرة أن تمارس بشكل عادي إلا إذا تم القضاء على التجارة الناتجة عن التهريب، لكن يصعب التغلب على هذه الظاهرة بتطوان لعدة أسباب، منها تواطؤ بعض عناصر السلطة المحلية مع المهربين، وارتباط هذه التجارة بتطوان بشبكة أسواق التهريب من تطوان إلى أكادير. كما يصعب مثلا، محاربة استغلال بعض الشركات التي توجد في الدار البيضاء لترويجها نسبة معينة من إنتاجها في هذه الأسواق هروبا من الضرائب.
يجب أن نطرح سؤالا هنا، هل هي أزمة أشخاص من ذوي المصالح أم أزمة مؤسسات؟ أعتقد شخصيا أن المؤسسة التي لا تحاسب موظفيها لا يمكن أن تلوم غير نفسها، هنالك غموض في تصور الجميع للمشكل، لقد أنجزت دراسة بتنسيق بين المجموعة الحضرية والحكومة الكاطلونية حول تصميم مستقبلي للمدينة، ولكنه لم يطبق كالعادة.
إن التقسيم الحالي للمدينة يعتبر من بين أسباب تعقيد مشاكلها. وأعتقد أنه يجب تقسيم المدينة حسب تطورها التاريخي، إلى المدينة العتيقة التي صنفتها اليونسكو تراثا عالميا نظرا لأهميتها التاريخية والمعمارية والثقافية والفنية، ثم المدينة الإسبانية المعروفة محليا بمصطلح Ensanche وهي مدينة تاريخية تتميز بالهندسة المعمارية الإسبانية ذات التأثير العربي الواضح، وأخيرا هناك الأحياء التي تطورت بعد الاستقلال، والتي تحتاج إلى مناقشة مطولة نظرا لتعقيدها، تحتاج مشاكل المدينة العتيقة إلى عناية خاصة لأنها أهم ما يوجد في تطوان، أما المدينة الإسبانية فإن المحافظة عليها تعود أساسا إلى اهتمام الإسبان بالمحافظة عليها، بتوظيف بعض بناياتها وكذلك بترميم بنايات أخرى.
بينما تحتاج الأحياء التي تطورت منذ الاستقلال إلى برنامج خاص يرمي إلى خلق العمل بواسطة الاستثمارات والأنشطة الاقتصادية.
• نظرة متفائلة للمستقبل
ننظر إلى مستقبل تطوان نظرة متفائلة لعدة اعتبارات، منها أن هذه المدينة عرفت أزمات متعددة في ماضيها، واستطاعت أن تتغلب عليها دائما، ومنها أن الجو الجديد الذي تركته الزيارات الملكية لا يمكن له أن يؤدي إلا إلى تغيير جذري على المستوى الثقافي والاجتماعي والاقتصادي والعمراني، ومما لا شك فيه أيضا، أن المدينة تحتاج إلى رؤية واضحة وخطة شمولية مستقبلية متعددة للمشاكل التي تعرفها، والتي يمكن مواجهتها في إطار سياسة سياحية جديدة، وهي الخطة المقترحة في الخطاب الرسمي. ويجب أولا إنجاز دراسة أو دراسات للتنمية السياحية لمدينة تطوان، تمولها مؤسسات كبرى كالبنك الدولي ومنظمة اليونسكو. يتم في إطارها نهج سياحية تنقسم إلى ثلاثة أقسام، السياحة الثقافية والسياحة الجبلية وسياحة الشواطئ. ثلاثة مؤهلات بامتياز لتطوان في منطقة البحر الأبيض المتوسط.
وينبغي على الدولة أن تتخذ قرارا سياسيا حقيقيا، لا ينحصر في الخطاب، من أجل الاتفاق مع السوق الأوربية المشتركة وغيرها من الدول الصديقة، بشأن خلق بنية تحتية وظروف ملائمة للإستثمار. كما يمكن للإستثمار المحلي والوطني أن يستفيد من هذه الظروف، في إطار انطلاقة اقتصادية حقيقية لهذه المدينة. ولعل الظروف السياسية مواتية جدا لهذا التحول، فهل يمكن للحكومة وأصحاب المسؤولية السياسية والاقتصادية المركزية أن يستوعبوا هذا التحول الإيجابي؟
منشورات جمعية تطاون- أسمير
“تطوان و سياسة التنمية الاقتصادية و تدبير التراث الثقافي”
الدكتور امحمد بن عبود
بريس تطوان
يتبع…
