تطوان من منظور الباحث علي الإدريسي - بريس تطوان - أخبار تطوان

تطوان من منظور الباحث علي الإدريسي

من عمق شمال المغرب، ريف آيث ورياغل، إلى طنجة والجزائر وتونس، ثم العودة إلى المغرب: إلى جامعة محمد الخامس بالرباط، قبل أن تقوده غواية الحركة إلى كندا، نصحب الجامعي، الباحث في تاريخ الفكر السياسي في الإسلام، والدبلوماسي، علي الإدريسي، في عملية سبر أغوار ذاكرة متدفقة. في هذه الحلقات، يعيد الإدريسي بناء الأحداث، وتقييم مسارات أزمنة، واستخلاص الدروس.

فـ«الحديث عن الزمن الذي عشناه وعايشنا أحداثه وظرفياته لا يعني استرجاعه، كما تسترجعه كاميرات التصوير، بل استحضارا لوقائع معينة كان لها تأثير إيجابي أو سلبي على الذات، وعلى المجتمع الذي ننتسب إليه». كل ذلك بعين ناقدة ذاتية-موضوعية، لعل في عملية التذكر تلك للزمن الذي مضى ما يفيد الأجيال الحالية واللاحقة.

ما الذي استرعى انتباهك في تطوان، وأنت تغادر احتجازك في زنزانة محافظة شرطتها، بعد أن دام غيابك عنها 18 سنة؟

المنظر الخارجي العام لتطوان كان أقرب كثيرا إلى ما كان عليه سنة 1966؛ بحيث لم تصادفني مظاهر تشير إلى تطور المدينة أو إلى التغيير الاجتماعي اللافت لنظر زائرها، إذا استثنينا بعض مراكز الاصطياف، التي تم إنشاؤها لصالح الطبقة الحاكمة وحواشيها، ولأصحاب المال، كالرأس الأسود (كابو نيكَرو)، ومرينا اسْمير مثلا.

أما إعادة اكتشاف المدينة من الداخل بالتدقيق النسبي في بنيتها التحتية، ونمط حياة ساكنتها ومصادر معاشها، وتقييم معالمها العمرانية التي اشتهرت بها، فإنك تكتشف أن أحد شوارعها التجارية الراقية، وهو شارع المصلى (لمصلّة بالنطق المحلي) قد اختفى من الحياة، وأمسى شارعا لما يشبه الخردة؛ كما تمت إزالة معالم ساحة الفدان الشهيرة وتحويلها إلى ساحة المشور. وكان يقال للتطوانيين يومذاك: إن ساحة الفدان ترمز إلى الثقافة الاستعمارية لإسبانيا في المغرب. ولم يكن أحد يمكن أن يجيب بوضوح مقنع: لماذا احتفظت إسبانيا بمعالم كثيرة التي ترمز إلى ثقافة “المحتلين” المسلمين للأندلس؟ ولم يكن مصير حديقة “رْياض العشاق” التاريخي الرائع الجمال أفضل من شارع المصلى، أو محطة نقل المسافرين. وكان الناس يتجنبون إظهار نقدهم لما يحدث في مدينتهم، لأن “الشيطان يسكن في التفاصيل” كما يقول المثل الفرنسي، وقد تسكن أشياء أخرى.

كانت مدينة تطوان إذن على غير ما هي عليه الآن..

كانت أزقة مدينة تطوان لا ينطبق عليها حتى وصف فرانز فانون في كتابه “معذبو الأرض”، الذي ميز فيه بين نقاوة وجمالية مدينة المستعمِر ومدينة الأهالي العشوائية، الخالية من المعايير المفترضة في أي معمار مدني؛ مدينة أطلق الأوربيون على سكانها اسم “أنديجان Indigènes” . لأن تطوان كانت أقرب إلى مدينة فانون العشوائية، باستثناء شارع محمد الخامس. كانت مجمل شوارع المدينة وأحيائها التي تقطنها المكونات الاجتماعية المختلفة في مشاربها الثقافية، والمتنوعة في أعراقها وإثنياتها في زمن الاستقلال أقرب ما تكون إلى أحياء مدينة الأنديجان، وفقا لكتاب “معذبو الأرض”، هي مدينة قُلتُ بشأنها يوما للكاتب الصحافي محمد العربي المساري: “عندما زرت تطوان أول مرة في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي، كنت أستحيي أن أتجول في شوارعها وحذائي غير ملمع جيدا، أما اليوم فلم أعد بحاجة إلى ذلك؛ فشوارعها تدهورت أرصفتها، وتصعلكت أخلاقها، وازداد فقراؤها، وارتفع عدد المتسولين فيها، وارتفعت البطالة بين طالبي الشغل فيها. أما طبقتها الوسطى، التي من بين مهامها الاجتماعية القيام بجذب أعضاء من الطبقة الدنيا إلى الأعلى، فبدت لي طبقة تعاني الخمول، وربما العجز، عن القيام بدورها المنتظر منها تاريخيا.

 وما هي الأسباب الكامنة وراء هذه الصورة القاتمة؟

اعتقدت في البداية أن تطوان قسا عليها انتماؤها إلى الشمال المهمش من قبل “دولة الاستقلال”. أوَ لَمْ يسبق اغتيال اقتصاد مدينة طنجة أيضا، بعد فترة قصيرة من استرجاع المغرب “المستقل” لأقاليمه في الشمال؟ لكن حين قمتُ بزيارة مناطق أخرى من المغرب الذي كان يُطلق عليها الاستعمار الفرنسي “المغرب النافع”، ورحنا نحن المهمشون نطلق عليها “المغرب المنتفِع من الاستقلال”، اتضح لي نسبية اعتقادي بشأن الإهمال الذي يعاني منه مجال شمال المغرب. وكان الاحتمال الذي تولد عندي بسبب تقارب الأوضاع بين الشمال ومناطق مغربية أخرى، هو فقر المغرب وخلوه من الثروة؛ لأن الطبيعة بخلت على المنطقة. واعتبرت أن ما كان ينسب للزعيم علال الفاسي، أن فوسفاط المغرب وحده سيوفر لكل مغربي في دولة الاستقلال 10 دراهم لكل شخص؛ وثمن كيلو اللحم يوم ذاك لا يتجاوز 5 دراهم، – اعتبرت – أنه كان ضمن الدعاية أو البروباغاندا الوطنية ليس إلاّ.

ولم أكن أميل كذلك إلى تصديق كل ما كان يروج، من قبل البعض عن ثروة المغرب، وبخاصة المناهضين للنظام السياسي المغربي، وكنت أعُدّ كلامهم ككلام السي علال الفاسي عن الفوسفاط، لأنني لم أكن أتصور أو أتخيل أن يكون للمغرب ثروات ولا تنعكس آثارها على كل المغاربة. وحتى تصريح الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران الذي جاء فيه: “المغرب بلد غني، يعيش فيه الفقراء” لم آخذه على محمل الجد؛ على الرغم من معرفتي بأن المسؤولين الأجانب، والفرنسيين بخاصة، يعرفون عن المغرب أكثر مما يعرفه المسؤولون المغاربة عن بلدهم. لكن هذه الحجة اهتزت في ذهني مرة أخرى حين تناول الملك محمد السادس في خطاب العرش لسنة 2014 الموضوع نفسه مؤكدا أن البنك الدولي قام بدراستين سنة 2005 وسنة 2010 لقياس الثروة في الدول الأفريقية، فأفادتا أن المغرب مصنف في المراتب الأولى من حيث امتلاك الثروة، وتساءل: “أين هي هذه الثروة”؟ قبل أن يضيف سؤالا آخر “هل استفاد منها جميع المغاربة، أم أنها همت بعض الفئات فقط؟” ثم أجاب بقوله: “إن الواقع يؤكد أن هذه الثروة لا يستفيد منها جميع المواطنين”. ويظهر أن تصريح ميتران والدراسات والتقارير الدولية تبدو أقرب إلى الواقع، على خلاف ما كنت أعتقد.

 وما العلة في نظرك لما عاناه المغرب من إهمال مناطق، وتهميش أخرى، وسوء التسيير، وغياب التنمية الشاملة؟

من المعروف أن زمن الحسن الثاني، بما فيه مرحلة ولاية عهده، كانت محفوفة بكثير من المخاطر الحقيقية المهددة لحكمه ولعرش أسلافه. كما أن شخصيته لم تكن مرنة مع خصومه السياسيين، ولا مع الاحتجاجات الشعبية المطالبة بالعيش الكريم، ولم يكن يخفي تهديداته في خطبه، وبخاصة في خطابه عقب محاولة انقلاب أوفقير وأمقران، أو خطابه في 22 يناير 1984. كما يمكن أن نستشف ملامح شخصيته من العنوان الذي اختاره لكتابه، ألا وهو “التحدي”، ومن منهجه غير المهادن لمعارضيه، القائم على ممارسة البطش الشديد بمخالفيه في الرأي. فيما عرف لاحقا في أدبيات الذاكرة المغربية المعاصرة بـ”سنوات الجمر والرصاص”.

مما لا شك فيه أن ما كان يجري في الساحة السياسية المغربية لم يكن لصالح تطور المغرب لا ثقافيا، ولا اجتماعيا، ولا اقتصاديا. مادام الشغل الشاغل لدى نظام الحسن الثاني كانت تتحكم فيه رغبة أو إرادة واحدة ووحيدة، ألا وهي الحفاظ على العرش بكل الوسائل، بغض النظر عن طبيعة تلك الوسائل، أو عما يمكن أن يصيب المغرب والمغاربة.

لكن الحسن الثاني في تسعينيات القرن الماضي لم يكن هو نفسه قبل تلك المرحلة..

يمكن أن يطرح السؤل بصيغة: ما أثر تقهقر موضة الانقلابات العسكرية العربية، وأثر سقوط جدار برلين، وأثر الهوان الذي أصاب المناهضين لحكمه من قبل الحركات الراديكالية، على سياسات الحسن الثاني في تسعينيات القرن المنصرم؟

كل تلك العوامل والأسباب تكون قد دعت الحسن الثاني إلى الاقتناع بأن النهج الذي سلكه للحفاظ على عرش أسلافه قد حقق أهدافه وتكلل بالانتصار. وهنا بدأ في سلسلة إصدار العفو على سجنائه، وعلى المنفيين. ووصل العفو إلى سجناء “تازمامرت”، كما راح يمهد لمرحلة تختلف نسبيا عما دام قرابة ثلث قرن من الزمن، بإحداث تعديل الدستور سنة 1992، وبرز ذلك التوجه أكثر في تعديل 1996، وبتأسيس ما اصطلح عليه، عقب ذلك التعديل، بحكومة التوافق، التي ترأسها المعارض عبد الرحمان يوسفي. لكن، كان لا بد من تبرير خطواته الجديدة أمام الرأي العام السياسي؛ فنراه قد ركز في خطاب البرلمان سنة 1995 بأن تقرير البنك الدولي ينذر بحدوث سكتة قلبية للمغرب، إن لم يقم بتغيير منهجية تسييره للشأن العام.

وأعتقد أن خطاب الملك محمد السادس في 12 أكتوبر 1999 المعروف بخطاب “المفهوم الجديد للسلطة” يندرج في سياق استمرار تجنب المغرب للسكتة القلبية التي كان والده قد أعلن أن المغرب قد يتعرّض لها.

 

بريس تطوان/ المصدر

 


شاهد أيضا