تطوان ملتقى الثقافات.. صلة وصل بين الشرق والغرب - بريس تطوان - أخبار تطوان

تطوان ملتقى الثقافات.. صلة وصل بين الشرق والغرب

بريس تطوان

ظلت الاتصالات والروابط بين المغرب والمشرق صامدة على الدوام بالرغم من فترات الفتور التي فرضتها الظروف التاريخية أو البعد الجغرافي، حيث تم الحفاظ على القواسم المشتركة إن على المستوى الروحي أو الثقافي أو الحضاري أو التجاري.

وقد لعبت بعض المدن المغربية، وخاصة فاس وتطوان، دورا رائدا في هذا المجال عززت مدينة تطوان، على مر العصور، علاقات مميزة مع الشرق وأصبحت في بداية القرن العشرين جسراً وصلة وصل بين المغرب العربي والمشرق.

وعلى مدى قرون، لعبت رحلات الحج، والرحلات الدراسية لطلاب العلم من تطوان، وكذا القوافل التجارية، دورا أساسيا في تقوية الأواصر التي توحد قطبي العالم الإسلامي.

ومع ذلك، فإن حمى الهيمنة التي انتابت القوى الغربية وأطماعها في استعمار جزء كبير من العالم العربي الإسلامي في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، شكلت تهديدا خطيرا للهوية العربية الإسلامية، كما ساهمت في إنعاش الروابط بين المغرب العربي والشرق.

وكانت مدينة تطوان مصدر النخب التي حملت شعلة المقاومة ضد التهديد الذي كان يتربص بالهوية وعملت على تعزيز العلاقات مع المشرق، ولا سيما بإرسال بعثات طلابية إلى مختلف بلدان المشرق العربي.

في وقت مبكر من عام 1920، توجهت أول بعثة من الطلاب التطوانيين إلى نابلس في فلسطين، مما مهد الطريق لعلاقة خاصة مع هذا البلد. ثم تتابعت البعثات الطلابية الواحدة تلو الأخرى باتجاه المدن الفلسطينية الأخرى ونحو جامعة الأزهر أو جامعة القاهرة في مصر وجامعات أخرى في دمشق بسوريا وبغداد بالعراق.

ستلعب هذه البعثات الطلابية دورا رئيسيا في الحفاظ على الهوية العربية الإسلامية للمغرب وترسيخها والاسهام في الوعي الجماعي بوحدة المصير الذي سيؤدي إلى نشأة الحركة الوطنية في المغرب وفي تطوان على وجه التحديد.

ونجح أب هذه الحركة، الحاج عبد السلام بنونة، بعد أدائه لمناسك الحج سنة 1923، في إقامة اتصالات مع رواد النهضة العربية، في مصر وفلسطين وسوريا، ولا سيما مع رشيد رضا، رائد النهضة الإسلامية والفكر السلفي المستنير الذي سيكون له، إلى جانب مفكرين آخرين من أمثال شكيب أرسلان، تأثير متزايد على الحركة الوطنية المغربية.

واسهم هذا الزخم في العلاقات بين تطوان والمشرق في تعزيز مكانة هذه المدينة التي اشتهرت بلقبها: “القدس الصغيرة” الذي صاحبها لعدة سنين.

وبعد عودة البعثات الطلابية حملت النخب الجديدة راية الدفاع والحفاظ على الهوية العربية الإسلامية، وعلى القضايا المشتركة ومن بينها محاربة الاستعمار. وهكذا أنشأ المؤرخ محمد داود والحاج عبد السلام بنونة، سنة 1924، أول مدرسة وطنية في تطوان، “المدرسة الأهلية”، التي كانت أول مدرسة في المغرب توفر التعليم باللغة العربية معتمدة البرامج التعليمية المتبعة مصر. وسوريا. بعد ذلك، تعددت المدارس الوطنية وعززت قيم الدين والانتماء واللغة والهوية التي ستلعب دور المحرك للحركة الوطنية المغربية.

خلال الفترة نفسها، حافظ الحاج عبد السلام بنونة على مراسلات منتظمة مع مفكري ورواد النهضة العربية في المشرق.

وستبلغ العلاقات مع رواد القومية العربية دروتها في غشت 1930، إثر إصدار المستعمر للظهير البربري، والزيارة التاريخية لشكيب أرسلان إلى تطوان، التي عقد خلالها اجتماعات في منزل الحاج عبد السلام بنونة مع كبار قادة الحركة الوطنية، في بداياتها بشمال المغرب، من أمثال عبد الخالق الطريس وعزيمان والوزاني ومحمد داود حيث سيظل التواصل مع شكيب أرسلان لسنوات، ليكون مصدر إلهام للحركة الوطنية المغربية.

وكان أرسلان قدوة ومرشدا لجيل من الشباب الذي أنشأ النواة الأولى للحركة الوطنية بالمغرب خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين والتي سيكون لها، سنة 1939، لقاء تاريخيا ثانيا بتطوان مع أحد رواد الحركة القومية العربية، أمين الريحاني.

بالإضافة إلى ذلك، شكلت تطوان القناة التي وصلت من خلالها الصحف العربية الكبرى، ولا سيما صحيفة “الأمة العربية”، التي يصدرها شكيب أرسلان في جنيف، إلى المغرب من خلال الخدمات البريدية البريطانية، وكان أعضاء الحركة الوطنية بتطوان هم الذين يمدون إخوانهم في باقي التراب المغربي بهذه الصحف، التي كانت في ذلك الوقت أداة قيمة للتواصل بين النخب العربية.

ونجحت النواة الأولى المكونة للحركة الوطنية في أن تكون سباقة إلى استغلال علاقاتها برجالات المشرق للتحسيس بالقضية المغربية وبالتالي حشد دعم المنطقة بأكملها. وهكذا تمكنوا من تأسيس مكتب المغرب العربي بالقاهرة سنة 1938 والذي سيلعب دورا أساسيا في الدعم العربي والدولي للقضية المغربية.

ومكنت هذه العلاقات القوية مع المشرق من حصول الحركة الوطنية على دعم جامعة الدول العربية سنة 1947، وسمح لممثلي الحركة الوطنية بالحصول على تمثيل داخل الجامعة وفتح أمامهم باب المنظمات الدولية للتحسيس بعدالة القضية المغربية.

العنوان: تطوان إرث وطموحات متوسطية

إشراف: كريمة بنيعيش / سعيد الحصيني

(بريس تطوان)

يتبع


شاهد أيضا