تطوان.. لما كانت تلقب "القدس الصغيرة" - بريس تطوان - أخبار تطوان

تطوان.. لما كانت تلقب “القدس الصغيرة”

بريس تطوان

لما أعاد المنظري بناء تطوان حوالي عام 1489، وأصبحت تؤسس لعناصر المدينة الدولة، انتقلت عدة عائلات يهودية من إسبانيا، كان يطلق عليها اسم الميغوراشيم “Les megorashim”، للإقامة في المدينة. وكانت حفاوة استقبال السكان المحليينـ والقرب من إسبانيا، والمناخ، وغياب اليهود يعيشون في المغرب لأكثر من ألفي عام، الذين كان يطلق عليهم اسم التوشافيم بالإضافة إلى رصيدهم المعرفي وتأثرهم بالحضارة الغربية، بمتابة المحفز للإسهام في تنمية وتطوير المدينة.

أدت عمليات الطرد التي طالت اليهود المتشبثين بدينهم، والمتواضعين في عيشهم، تتكون من حرفيين وتجار، وكذا من القراصنة وتجار العبيد. إلا أن هذه الفئة تميزت بارتفاع عدد الحاخامات بين أفرادا مما أكسب مدينة تطوان اسم “القدس الصغيرة”.

وعاش اليهود، ورغم قانون الدمة، فترات ازدهار، خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، تخللتها فترات تشنج تحت حكم مولاي المرتضى سنة 1730 ومولاي اليزيد سنة 1790، حيث استقروا، في البداية في الملاح البالي أو “جوديريا” في قلب المدينة قبل أن ينقلهم السلطان مولاي سليمان سنة 1807 إلى حي جديد، خارج الأسوار، جنوب المدينة.

وأدى إغلاق ميناء تطوان سنة 1770 وخروج المفوضيات الأجنبية إلى ركود اقتصادي أدى بدوره إلى موجة هجرة جماعية للعائلات اليهودية نحو طنجة ووهران وجبل طارق تلتها موجات أخرى من الهجرة إلى مليلية وإشبيلية في أعقاب الاحتلال الإسباني للمدينة سنة 1860 وانتشار وباء الكوليرا سنة 1865.

ومكن افتتاح مدرسة التحالف الإسرائيلي العالمي بتطوان سنة 1862 إلى تحسين ظروف السكان اليهود بشكل كبير على المستويين التعليمي والصحي، كما أنه أدي إلى هجرة الشباب المتعلم، خاصة إلى الأرجنتين والبرازيل والبيرو.

وفي سنة 1912، وضع نظام الحماية حدا لنظام الدمة ورفع منع الإقامة في حي غير الملاح لتبدأ فترة نمو ديموغرافي قوي صاحبتها عملية بناء المدينة الجديدة “أنسانشي” حيث سيرتفع عدد اليهود بالمدينة، ما بين سنتي 1913 و 1945 من أربعة آلاف ومائتين إلى سبعة آلاف وستمائة واثنين وثلاثين شخصا وذلك بفضل عودة المهاجرين من أمريكا اللاتينية.

وشهدت هذه الحقبة تطورا عقاريا ملحوظا حيث تم إنشاء المحكمة الحاخامية للمنطقة الشمالية بالإضافة إلى انتخاب أعضاء يهود بالمجلس البلدي، الذي سيضم ممثلين للديانات الثلاث.

وكان الانقلاب الذي قاده فرانكو في اسبانيا دافعا إلى موجة هجرة قصرية للعائلات اليهودية حيث تعرضت عذع الأقلية إلى الاضطهاد بسبب مناصرتها للأفكار الداعمة للنظام الجمهوري والماسونية وعانت من المصادرة والمساهمان الإجبارية والاعتقالات مما أرغمها على الهجرة إلى طنجة والدار البيضاء وفنزويلا.

وارتفعت وثيرة الهجرة مع إنشاء دولة إسرائيل ثم الرغبة في الهجرة إلى أوروبا وأمريكا مما أدىإلى تدهور أعداد اليهود بمدينة تطوان. بالنسبة للحياة اليومية لليهود بمدينة تطوان فقد طغى عليها الالتزام الصارم بالتعاليم الدينية والتقويم العبري حيث ظل الملاح بشارعيه المتوازيين، شارع دكتور بوليدو وشارع برادو أو شارع خوسيه أبو درهم، وأزقته الثمانية عشر، القلب النابض لحياة هذه الفئة.

وتمركزت معظم المتاجر بشارعي ليفي غازيس وجاراسان اللذين ضما العديد من الجزارين، ومكتبة توفر بالخصوص الكتب الدينية ومكتب “شج” الحي اليهودي، وهو المسؤول الإداري وشرطي الملاح، بالإضافة إلى المخبزة وبائع الحلويات وبائع التوابل والفواكه وأفران الحي المخصصة للخبز والدافينا “التيرا”، الأكلة الشهية التي كانت تحضر كل يوم سبت، عند الظهر، فيما كانت ستة عشر معبدا يهوديا مفتوحة للعبادة، من بينها، “بيت أبراهام” و “بينتادا” الواقعة في شارع الدكتور بوليدو والتي كانت مثيرة للإعجاب بشكل خاص.

وعشية الأعياد، ترتفع الوتيرة استعدادا للاحتفالات في الجوديريا، وكان من المعتاد، في هذه الفترة، رؤية النساء يصبغن واجهات بيوتهن.

ففي شهر شتنبر، يتم الاحتفال ب “روش هاشناه” رأس السنة العبرية وبيوم الغفران عبر الصيام لمدة ست وعشرين ساعة، ويشمل تقويم الأعياد أحد أكثر الأيام احتفالية هو يوم “سوكوت”، في أكتوبر، للاحتفال بعيد الأكواخ، الذي يحيى ذكرى إقامة الأجداد في الصحراء لمدة أربعين عاما حيث تبني العائلات أكواخا على أسطح منازلهم وتقيم فيها لمدة أسبوع. وعند الغسق يضاء أفق الملاح. وفي شهر دجنبر يتم الاحتفال ب “هوناكا”، أو مهرجان الأنوار حيث تضيء كل عائلة شمعدانا من تسعة فروع لمدة ثمانية أيام.

بالنسبة لـ “عيد المساخر”، الذي يخلد ذكرى خلاص يهود فارس، يرتدي الأطفال ملابسهم وتتصدق العائلات. ويقرأ سفر إستير في المجمع. وتتناول العائلات أكلة “تريت”، وهي فطائر رقيقة مصنوعة من الدقيق بعد غطسها في الزبدة والعسل.

وخلال فصل الربيع تحيي العائلات اليهودية عيد “الفصح” الذي يخلد ذكرى خروج اليهود من مصر. ففي عيد الحرية هذا، يرتدي أفراد العائلات ملابسها الجديدة، وتتناول الخيز الخالي من الخميرة خلال الأسبوع، وتشكل “تورماس” (الكمأة) و “باليبس” (كعكة حلوة) جزءا أساسيا من قائمة المأكولات فيما تتم تلاوة “الهاجادية” بالعبرية في الليلة الأولى وب “الحاكيتية” (انظر الإطار) في المساء التالي، وينتهي عيد الفصح مع الاحتفال بيوم تيمينورا “timimona” الذي يتم خلاله فتح أبواب البوت الاستقبال العائلة والأصدقاء وتقديم مائدة شهية مزينة بالسمك والزبدة والعسل والقمح والفاصوليا والكعك والحلويات. وتختم لائحة الأعياد بيوم شافويو (هدية التوراة في شهر ماي.

العنوان: تطوان إرث وطموحات متوسطية

إشراف: كريمة بنيعيش / سعيد الحصيني

(بريس تطوان)

يتبع


شاهد أيضا