قبيلة "حوز تطوان" ومقاومة الغزو البرتغالي لمنطقة جبالة (2) - بريس تطوان - أخبار تطوان

قبيلة “حوز تطوان” ومقاومة الغزو البرتغالي لمنطقة جبالة (2)

بريس تطوان/يتبع…

ومنذ بناء تطوان اختفى اسم مجكسة نهائيا، ولم يبق من آثاره سوى ما ورد في بعض الوثائق والرسوم العدلية والعقارية الضاربة في القدم والتي تشير إلى الوادي المالح الواقع بين شاطئي مرتين ورأس الطرف الحاليين باسم “واد امدكسة”،  وما “امدكسة” تلك إلا تحريف في نظرنا لاسم “مجكسة” القديم، والذي عوض بشكل نهائي باسم “حوز تطوان”. خاصة مع اكتشافنا لنص من القرن الثالث عشر للهجرة/ التاسع عشر للميلاد، يشير إلى أمير أموي خرج من الأندلس في بداية عصر الطوائف، وحل بأحواز سبتة عند أخواله “امدكسة”.

والآن يحق لنا أن نتساءل: لماذا اختفى اسم مجكسة تماما بهذه الكيفية؟

لسنا نملك في الحقيقة إجابة شافية، لأن تاريخ اختفاء هذه القبيلة يوافق مطلع العصر الحديث، وهو عصر قلت فيه درجة قريبة من الانعدام الكتابات التاريخية، فهل تعرض المجكسيون لعملية إبادة من طرف خصوم دينيين محتملين لهم، بسبب معتقداتهم الوثينة؟ ابن خلدون أثبت في تاريخه أنهم كانوا لا يزالون على نفس النحلة في عهده، وهو الذي عاش في نهاية العصر الوسيط، وقد سقطت سبتة في يد البرتغاليين بضعة أعوام بعد وفاته.

ورغم النقص الشديد في المصادر، إلا أن ثلاثة إشارات مهمة توحي بأن الفئة المتدينة من السكان لم تكن راضية عن سلوكيات هذه القبيلة:

– فحينما تأسست الإمارة العزفية في سبتة، وأشيع أن بني أبي عزفة من قبيلة لخم من العصبة اليمنية، أنكر بعض العامة في سبتة هذا النسب العربي النبيل الذي يربط بين هذه العائلة وبني ماء السماء ملوك الحيرة في جاهلية العرب، وأشاعوا أن العزفيين مجكسيون كما سنرى لاحقا، فرد القاضي أبو العباس العزفي على هؤلاء المشككين في نسبهم بقصيدة توحي بالغضب، وبنفور شديد وأنفة من الانتساب إلى هؤلاء القوم.

– حينما كان الشيخ عبد القادر التبين الأموي الغرناطي نزيل تطوان القديمة يحتضر، تقديرا عام 566 هـ، أي في خلافة يوسف بن عبد المؤمن الموحدي، خاطبه ابنه الأكبر محمد: “يا أبت تركتنا في هذه العدوة غرباء. وأهل هذه العدوة قوة جفاة لا نستطيع المقام معهم”. فقال: “كل من آذاكم لا يفلح أبدا”. وفي هذا النص المقتضب إشارة إلى عداوة واضحة بين أتباع وأولاد عبد القادر التبين الولي الصالح، والشيخ المتصوف الذي تركغرناطة وسبتة الموحديتين، وهما من أمهات المدن الغرب الإسلامي حينها، وجاء ليقيم في حصن صغير يغلب عليه طابع البداوة، وبين السكان البدويين الذين هم من مجكسة دون شك، إذ ورد عند الإدريسي -معاصر الشيخ التبين – أن سكان “حصن تطاوين” هم من مجكسة.

– في تقييد كتب في القرن التاسع عشر للميلاد، وهو محفوظ عند أسرة “الماوي” وصف الجد الأعلى لهذه الأسرة بأنه أموي خرج من الأندلس متخفيا من الناس أيام فتنة الطوائف، ونزل بناحية سبتة عند أخواله “امدكسة” (أي مجكسة)، قال: “فألفاهم قوم سوء”، فرحل عنهم واستقر في سبتة، وهذه العبارة تحتمل عدة تأويلات وتوحي بتصرفات دينية وأخلاقية غير مقبولة لدى شخص مسلم عادي.

– ورغم أن قبيلة مجكسة كانت تتاخم سبتة وتشكل “حوزها” أو “ريفها” في العصر الوسيط، فإن تراجم المجكسيين الذين سكنوا سبتة تبقى قليلة جدا، مما يزكي فرضية وجود تنافر بين السبتيين وأهل القرى المجكسية، فلا تظفر في كتب التراجم إلا ببضعة أسماء مجكسية كأبي يوسف يعقوب القصري المجكسي، الذي كان عالما بالقراءات السبع وبأصول اللغة العربية، وكانت العامة تجله وتقدره، وكانت وفاته عام 712هـ/1312م. ثم علي بن وشاش  المجكسي: كان فقيها وصالحا من الزهاد الأوائل، وإماما للجامع الأعظم بمدينة سبتة، ويدل لقاؤه بأبي يعقوب البادسي الولي الشهير على كونه من أهل القرنين السابع والثامن للهجرة.

وإذا كنا لا نستطيع الجزم بأن النحلة الحاميمة والإرث السحري للقبيلة كان السر وراء اختفائها ونفور الناس من الانتساب إليها، فإن وجود شيخ كعبد القادر التبين وسط أرضهم، وإقامة مجموعة من الربط في جبال غمارة في العهد الموحدي أولها في تطوان وآخرها في جبل العلم، يوحي بوجود حركة دينية صوفية قوية في شمال المغرب لمحو الإرث الوثني القديم، اصطدمت بقبيلة قوية صمدت في وجهها خلال العصر المريني، ولكنها مع الغزو البرتغالي ومطلع الحقبة الحديثة، انهارت واختفت من الوجود، وحينما بنيت تطوان الحديثة، عوض الاسم القديم إلى الأبد بعبارة “حوز تطوان”.

المؤلف: بلال الداهية

العنوان: تطوان وباديتها “نبذة تاريخية عن حوز تطوان وبني حزمار

منشورات باب الحكمة

(بريس تطوان)


شاهد أيضا