تطوان.. عبد السلام أجزول ودوره في استمرار شؤون الزاوية الحراقية - بريس تطوان - أخبار تطوان

تطوان.. عبد السلام أجزول ودوره في استمرار شؤون الزاوية الحراقية

بريس تطوان/يتبع…

واستعداد مريديها لمعركة تطوان ضد الغزاة الإسبان.

لما ضعف أمر الزاوية الحراقية بعد وفاة شيخها الأكبر سيدي محمد الحراق، لم يتمكن حفيده سيدي محمد الأصغر من القيام بشؤون الزاوية لانهماكه في ظروف الحياة الصعبة، وإعالة أسرته الكبيرة والصغيرة ولاهتمام بقوت يومها. فتولى السيد عبد السلام أجزول بشغف كبير أمر الزاوية، بالمحافظة على أورادها ومجالس المدح والطرب، “فكان مجلسه مجلس وقار وعلم وأدب” وفي عهد أجزول قال “سيدي أحمد حلحول” وكان أجزول ذا صوت صحل جميل النبرات، وكان معه من أصحاب الشيخ جماعة من المطربين، فاخذوا ينظمون قصيدة البردة للبوصيري، وجعل لكل قطعة منها صوتا من الأصوات بعد أن كانت تتسرد سردا، كما لا تزال تتسرد في قبائل الجبل، فأحدث فيها ويدان وأجزول ومن جرى مجراهما أنغاما على عدد نوبات الموسيقى الأندلسية الإحدى عشرة، وأصبحت تقرأ بتطوان على الصورة التي تقرأ عليها اليوم”.

وروي عن أجزول أنه كان يحفظ الموسيقى الأندلسية ” كلها بأبياتها وصنائعها وسائر أدوارها، وكانت الاحتفالات المتتابعة تساعد كثيرا على فشو الصناعة وتقدمها”.

وحينما تولى المشيخة سيدي إدريس الحراق تقوت الزاوية بهما فكانا معا نعم الصديق ونعم الوفي. ووقفت على استدعاء لحفل زفاف ابن الشيخ المذكور سيدي عبد الله الحراق موجه لسيدي عبد السلام أجزول والذي يعد من الوثائق الغميسة ويعتبر أول استدعاء كتابي لحضور حفل زواج في تطوان يكتبه بخط يده المرحوم الشيخ سيدي إدريس الحراق كظاهرة حضارية راقية أخذت الشكل الكتابي رمزا لها. وهذا نص الاستدعاء:

“الحمد لله وحده. حضرة سعادة الفاضل الأديب سيدي عبد السلام أجزول. أهديكم عاطر السلام وأرجوكم أن تتنازل لتشريفنا بحضوركم حفلة زفاف ولدنا البار عبد الله التي ستكون بحول الله عشية يوم الخميس المقبل ليتم بكم سرورنا ويكمل فرحنا. دامت لكم المسرات وتوالت عليكم أصناف الأيادي والمبرات، ونرجوا من فضلكم أن تبعثوا لنا ما يليق بجنابكم السامي من هدية وإعانة لنا دمتم مغمورين في نعم الله وأياديه. والسلام. الداعي شيخ الطريقة الدرقاوية الحراقية. إدريس بن الحسين الحراق الحسني كان الله له.

وأسلوب هذا الاستدعاء يعطينا تصورا عن ثقافة الرجل، وتمكنه من الأسلوب الأدبي الساري في ذلك الوقت، كغيره من الفقهاء والأدباء.

ولعبت الزاوية الحراقية غداة الاحتلال الاسباني لتطوان وأثناءه دورا سياسيا خطيرا بمناسبة أحداث حرب تطوان سنة 1860، حيث تجند جميع فقراء الزاوية الذين بقوا بتطوان ولم يخرجوا منها لحماية زاويتهم من استيلاء الغزاة عليها، وتجند المتواجدون منهم بالقبائل الشمالية لتتبع حركة تنقل الإسبان الذين كانوا في طريقهم لاحتلال تطوان، فكانوا يرصدون من أعلى القمم الجبلية خطواته هذه، ويضعون المتاريس، ” والشبارات” لعرقلة مروه، بل والاحتكاك به في ساحة القتال أحيانا، وكان السيد عبد السلام أجزول الذي ظل ساكنا بتطوان ومن المتخلفين بها وفي شجاعة نادرة يوصل الأخبار إلى الأمير مولاي العباس قائد الجيوش المغربية بتطوان وأخ السلطان سيدي محمد ين عبد الرحمان، بما يتلقاه من المعلومات التي تصل إليه من فقراء الزاوية أومن غير هم، ولتجسيد هذه المرحلة النضالية التي توقفت فيها الحركة الفنية والموسيقية، بخروج جل أقطابها نساء ورجالا وأطفالا من مدينة تطوان يتقدمهم الشيخ الجليل سيدي عبد السلام ابن ريسون والشاعر الأديب المفضل أفيلال، وسائر عموم السكان، وتحويلها إلى مدينة الأشباح، خلت من بهجة الحياة، وحفيف الأشجار، وزقا زق الطيور، وألحان الكناري، وتغريدة البلابل، وإشراقة الوجوه الباسمة، والليالي الموسيقية الفاتنة وأمست لا تسمع فيها إلا أجراس الكنائس التي أقامها الاسبانيون المحتلون على بعض صوامع المساجد ومآذنها، والأقدام المصفحة للجنود المرتزقة تجوب الشوارع والأزقة.

في هذه الفترة الحرجة كانت الصوفية الدرقاوية الحراقية بتطوان تمد يد المساعدة والعون لمن بقي بتطوان وتحول فيها الفن المديحي والصوفي إلى جهاد ومقومة، وكان السيد عبد السلام أجزول القطب الأول في هذه الملحمة يعطي التعليمات والتوجيهات إلى بعض أتباع الزاوية وفي مقدمتهم عامل المدينة القائد محمد الحاج الذي توجه هو الآخر إلى قبيلة عائلته (بني يدر) خوفا من بقائه بتطوان وانتقام الإسبانيين منه، ومن هناك أخذ يوجه المعلومات التي يستقيها من رجال القبائل المحيطة بمدينة سبتة لترصد حركة انتقال الجيش الإسباني، طبق الرسائل التي كان يوجهها سريا إلى بعض العناصر المغربية المحيطة بالمخزن. فكانت المعلومات تتبادل من هنا وهناك لاستخبار الجيش الاسباني. وقد وقفت على بعض من هذه الرسائل منها ما ورد في هذه الرسالة منها ما ورد في هذه الرسالة الغميسة التي توصل بها السيد عبد السلام أجزول جابا على رسالته إلى القائد الحاج:

الحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله.

محبنا الأوفى وأخينا في الله الأصفى سيدي عبد السلام أجزول.

أعانك الله وسلام عليك ورحمة الله عن خير مولانا نصره الله.

ويعد: فقد وصلنا كتابك وقرأناه، وكل ما ذكرته صار معلوما، وأعلمتنا بترتيب هذه النشرة الآتية إن شاء الله على كل قبيلة تخرج للقتال وحدها، ومعها بعض الخيالة، فذلك هو الصواب نطلب الله النصر والظفر للمسلمين بجاه سيدي الأولين والآخرين.

ثم اعلم سيدي، وأني سمعت أن عدو الله السبنيول خرج بمحلة أخرى من سبتة ووصل لبني امزالة، وأحرق ديارها، واليوم نزل بنيكرو، نحبك سيدي لا تغفلوا عن ذلك، فإن كان مولاي العباس عنده خبر اعلموه بذلك وهو يوجه بعض الخيالة ينتظرون ذلك هل هو صحيح أم لا؟ وسمعنا أنه لعنة الله بالخزائن وآلات الحرب فإن كان ذلك صحيحا فلا بد أن تقدم إليه طرف من المحلة، ويضربوا عليه ليلا، لأنه لا زال ما عمل الشبارات ولا غير ذلك بقصد الزيادات. وربما يقبض الجبال و ألا تكون منه الخديعة حين تقدم المحلة، ليشار مع الذي هو بمرتين. يقدم هو من د فم العليق، ويجعل المحلة في الوسط. نسأل الله العافية. والحاصل هو أن تركب طائفة من خيل المخزن ومعها بعض خيل متاعنا الذي هناك بقصد يريهم الطريق، وينتظر حقيقة الأمر ولا تغفلوا عن ذلك. بارك الله فيك. ونحبك سيدي تعلمنا كيف هو أمر هذا الكافر الذي قدم اليوم من محلته إلى محلة المسلمين هل هو هارب؟ أم لا؟ يعني لغرض لأنه جاء راكبا على دابة جيدة بسرجها، ومعه عشرة من الخيل والقائد العرفاوي ولا عرفنا خبر التحقيق. نحبك إن كان عندك التحقيق أعلمنا به ولا بد ولا بد،

وما ذكرت من جعل الشبارات في كل موضع يأتي منها عدو الله فذلك من أحسن ما يكون. كما يسلم عليك جميع الأحباب من غير تخصيص، وسلم منا على من ضمه مجلسكم السعيد ولا تغفل عن ما ذكرنا لك. بارك الله فيك وأعلمنا بما زاد ونقص وعلى كلل حاجة وما لكم ما يقضي أعلمنا به فعلى الرأس والعين. جزاكم الله خيرا نطلب الله تعالى أن يجعل هذا الكافر غنيمة للمسلمين هو وآلته وأمتاعه. آمين آمين. إنه سميع مجيب. وهذا واجب به إعلامكم والسلام. في 10 من رجب الفرض الحرام عام.

عن “الأجواء الموسيقية بتطوان وأعلامها”

لمؤلفه محمد الحبيب الخراز


شاهد أيضا