تطوان... صناعة الغناء عند ابن خلدون - بريس تطوان - أخبار تطوان

تطوان… صناعة الغناء عند ابن خلدون

وقد أفرد المؤرخ المغاربي ابن خلدون كما أشرت سابقا في مقدمته المشهورة فصلا كاملا عن صناعة الغناء والآلات  التي كانت مستعملة في عصره لارتباطها بالموضوع نسوق بعضا من فقراتها تعميما للفائدة، واستحقاقا للمتابعة وللمعرفة الغنائية بأصولها الإسلامية: فقد اعتبر ابن خلدون أن صناعة الغناء هي تلحين الأشعار الموزونة بتقطيع الأصوات على نسب منتظمة يوقع كل صوب منها توقيع عند قطعه فيكون نغمة ثم تلف تلك النغم بعضها إلى بعض على نسب متعارفة فيلذ سماعها.

ويصف أنواع الآلات التي كانت مستعملة في المغرب على عهده منها: “المزمار، ويسمونه الشبابة وهي قصبة جوفاء، بأبخاش في جوانبها، معدودة ينفخ فيها فتصوت. ومن جنس هذه الآلة المزمار الذي يسمى الزلامي وهو شكل القصبة منحوتة الجانبين من الخشب… ومن أحسن آلات المزمار “البوق” وهو من نحاس أجوف.. ومنها آلات الأوتار، والرباب، أو على شكل مربع كالقانون”.

ثم ينتقل ابن خلدون بعدما يصف الخلاف بين المذاهب حول حقيقة الغناء، والخلاف المحتد بينها في مسألة التلحين الذي معناه حسن الصوت وأداء القراءة والإبانة فيث مخارج الحروف والنطق بها، ليستعرض تأثير العمران في الحس الموسيقي والغنائي فيقول: “وإذ قد ذكرنا معنى الغناء فاعلم أنه يحدث في العمران إذا توفر وتجاوز حد الضروري إلى الحاجي،  ثم إلى الكمالي، وتفننوا فيه، فتحدث هذه الصناعة، لأنه لا يستدعيها إلا من فرغ من جميع حاجاته الضرورية والمهمة من المعاش والمنزل وغيره، فلا يطلبها إلا الفارغون عن سائر أحوالهم تفننا في مذاهب الملذوذات”.

ويصف ابن خلدون ملامح الأحوال الموسيقية في الغرب وعند العرب وتأثيرها في مجتمعاتهم: “لقد كان لملوك الفلرس اهتمام بأهل هذه الصناعة، ولهم مكان في دولتهم وكانوا يحضرون مشاهدهم ومجامعهم ويغنون فيها، وهذا شأن العجم لهذا العهد في كل أفق من أفاقهم، ومملكة من ممالكهم. وأما العرب فكان لهم أولا: فن الشعر يؤلفون فيه الكلام ولم يشعروا بما سواه، لأنهم حينئذ لم ينتحلا علما ولا عرفوا صناعة، وكانت البداوة أغلب نحلهم، ثم تغنى الحداة، منهم في حداء إبلهم، والفتيان في فضاء خلواتهم فرجعوا الأصوان وترانموا، وكانوا يسمون الترنم إذا كان بالشعر غناء، وإذا كان بالتهليل أو نوع القراءة تغييرا، وعللها أبو إسحاق الزجاج بأنها تذكر بالغابر وهو الباقي أي بأحوال الآخرة،… ولما جاء الإسلام واستولوا على ممالك الدنيا، وافترق المغنون من الفرس والروم فوقعوا إلى الحجاز وصاروا موالي للعرب وغنوا جميعا بالعيدان والطنابير والمعازف والمزامير، وسمع العرب تلحينهم للأصوات فلحنوا عليها أشعارهم، وظهر بالمدينة نشيط الفارسي وطويس وسائب بن جابرمولى عبيد الله بن حعفر، فسمعوا شعر العرب ولحنوه وأجادوا فيه وطار لهم ذكر”.

ويمضي ابن خلدون في ذكر المراحل التاريخية للغناء عند المسلمين:” ومازالت صناعة الغناء تتدرج إلى أن كبت أيام بني العباس عند إبراهيم ابن المهدي، وإبراهيم الموصلي، وابنه إسحاق وابنه حماد، وكان من ذلك في دولتهم ببغداد ما تبعه الحديث بعده به وبمجالسه لهذا العهد. وأمنعوا في اللهو واللعب واتخذت آلأت الرقص في الملبس والقضبان والأشعار التي يترنم بها عليه. وكان للموصليين غلام اسمه زرياب أخذ عنهم الغناء فأجاد فصرفوه إلى المغرب غيرة منهم فلحق بالحكم بن هشام بن عبد الرحمان الداخل أمير الأندلس، فأورث بالأندلس من صناعة الغناء ما تناقلوه إلى أزمان الطوائف،  وطما منها باشبيلية بحر زاخر وتناقل منها بعد ذهاب غضلرتها إلى بلاد العدوة بإفريقيا والمغرب. وهكذا يكون ابن خلدون أول المفكرين الاجتماعيين المسلمين الذين أرخوا لفن الغناء على امتداد العصور والأزمان، ووثق مراحل دخوله للأمم العربية والإسلامية سواء قبله أو بعده.

عن “الأجواء الموسيقية بتطوان وأعلامها”

لمؤلفه محمد الحبيب الخراز

بريس تطوان/يُتبع…


شاهد أيضا