تطوان بين المغرب والأندلس.. محنة وتهجير إلى الضفة الأخرى - بريس تطوان - أخبار تطوان

تطوان بين المغرب والأندلس.. محنة وتهجير إلى الضفة الأخرى

بريس تطوان

لا نسعى إلى البحث عن محن الأندلسيين ومأساتهم بالتفصيل، لأنه كثير فيها التأليف وطال فيها المقال من لدن بتحثين متخصيصن، وسوف نقتصر على ما يصب في موضوعنا، فهل يستقيم لنا أن نتحدث عن تهجير لأندلسيين إلى الضفة الأخرى دون الحديث عن محنتهم؟

انطلقت محنة سقوط غرناطة ببدء الخلاف داخل البيت النصري، حيث أن الصراع حول ولاية العهد ين زوجتي السلطان أبي الحسن (1464 – 1485م) عائشة وثريا الاسبانية الأصل والذي سوف يتسبب في تصدع أركان الدولة، وزاد من حدة الصراع تزكية السلطان أبي الحسن لزوجته الإسبانية وسجنه لزوجته عائشة وابنه عبد الله الصغير، لم تستسلم الأميرة لقدرها الجائز، حيث كانت ذات عزم وشجاعة، بل عمدت إلى الاتصال بعصبتها وانصارها وأخذت تدبر معهم وسائل الفرار والمقاومة، وقرر الابن بعد إطلاق سراحه، بدأ المجابهة المسلحة ومنع والده من الدخول إلى غرناطة. فبعد ما كانت المدينة جبهة قوية يحسب لها ألف حساب لما تتوفر عليه من حصون منيعة وجيش متمرس بالحروب، أصبحت بسبب خلافاتها السياسية عرضة للاطماع الإسبانية.

استغل الإسبان هذه الصراعات للتوغل داخل تراب المملكة تبعا لخطة خططت لها الملكة الاسبانية إيزابيلا (1451 – 1504م) التي تمتعت بكثير من الذكاء والعزم، وأثارت برقتها وتواضعها واحتشامها حب الشعب القشتال واعجابه، حيث ارتأت أنه لصرف الشعب الإسباني عن الفوضى والفساد يجب أن ينشغل بمحاربة المسلمين في غرناطة وطردهم منها، وعلى أثر ذلك فكرت الملكة في جمع المال من أجل إعلان الحرب المقدسة، وزاد ن حماسها مساندة الكنيسة لها، حيث قام البابا بإصدار صكوك الغفران روجت في جميع أنحاء اسبانيا المسيحية، وقد توجت بجمع مبالغ مالية هامة.

استعد الملك فرديناندو الخامس ملك أراغون (1452 – 1516م) بعد ذلك للإغارة على المدينة فحاصر حصن لوشة 1483م لكنه أخفق في اسقاطه لمناعته، لكنه كثف من جهوده حتى تمكن من أسر للأمير أبو عبد الله وفرض شروطا قاسية على البيت النصري، منها حث عبد الله عن التنازل عن بعض الحصون التي استولى عليها القشتاليون ودفع فدية قدرت بأربعة عشر ألفا دينارا ذهبيا، زادت من ضعف سلطته وحدة خلافاته، وانتهى الأمر باقتسام سلطة مملكة غرناطة بين أبي عبد الله الصغير (1460 – 1527) وعمه أبو عبد الله الزغل، فتدخل العلماء والفقهاء لاقتسام المملكة بين الطرفين، فكانت غرناطة من نصيب الزغل بالإضافة إلى مناطق أخرى، في حين كان النصف المتبقى من نصيب الأمير الصغير الذي اختار ربض البيازين قاعدة له.

كان هذا الانقسام والصراع في صالح الإسبان فكثفوا من جهودهم رغم اخفاقاتهم السابقة، وما زاد من حماسهم غنى المملكى بما تتوفر عليه من ثروات طبيعية وموارد بشرية، وقد أشار مارمول كربخال (1520 – 1599م) إلى ذلك في كتابه حين قال: “.. وقد كانت امارته غنية وكثيرة السكان بعدما لجأ إليها المسلمون من عدة مناطق أخرى. كما أنها كانت تتوفر على مساحة شاسعة تشمل على اخصب الأراضي وأهم المدن، وفي هذا الصداد نجد أن المقري (المتوفى 1041هـ) افاض في الحديث عن المملكة وعن ثراوتها. لذا سارع الملكان الكاتوليكيان لتنفيذ اطماعهما، ففي المرحلة الأولى اضطرا إلى الاستيلاء على المنطقة الغربية تلتها مرحلة أخرى تم اجتياح منطقتي لوشة ومالقة وفي المرحلة الأخيرة استوليا على منطقة شرقي ألمرية، وبهذا أصبحت المملكة مطوقة ومن كل الجوانب.

أخذت غرناطة تعاني من نتائج الحصار، حيث قلت بها الأقوات نظرا لفرض المراقبة على أهم الطرق التي تتمون منها، ووصف المقري حين قال: “وكان يأتي للبلد عن تلك الطرق خير كثير من القمح والشعير والذرة وغير ذلك من الفواكه والسلع ومازال حال البلد يقل من الطعام والرجال إلى أن دخل شهر الحرام في عام سبعة وتسعين وثمانمائة ودخل فصل الشتاء والثلج نازل قطعت الطرق فقل الطعام عند ذلك في أسواق المسلمين واشتد الغلاء وأدرك الجوع كثيرا من الناس وكثر السؤال”.

وتبعا للظروف العصيبة التي تعرضت لها ساكنة غرناطة، اضطر عبد الله الصغير إلى تسليم المملكة وتوقيع معاهدة بين الطرفين، وقد تحدث لنا المؤرخ عبد الله عنان في كتابه “نهاية الأندلس” عن الاجتماع الذي تم بقصر الحمراء لتسليم غرناطة حين قال: “حينما اجتمع الزعماء في بهو قصر الحمراء ليوقعوا معاهدة تسليم غرناطة لم يملك كثير من الزعماء أنفسهم عن البكاء والذي بقي صامدا وحده هو القائد موسى بن أبي الغسان الذي خطب في المجمع”.

خولت المعاهدة المؤومة مجموعة من الحقوق الأندلسيي اسبانيا، حيث تعهدت بضمان لهم عيشا كريما باقرارها لحرية الأديان والتجارة والتنقل، كما خولت لهم الحرية في تقرير مصيرهم أما الاستقرار بالأراضي الإسبانية أو الهجرة إلى العدوة المغربية، وقدمت لهم مجموعة من التسهيلات للقيام بذلك، ويبدو أن الهدف الأساسي من هذه المعاهدة هو تهدئة الأوضاع ريثما يتم تدبير قرارات جديدة لتصفية الوجود الإسلامي في غرناطة نهائيا، أما عن الامتيازات التي منحت للمسلمين، وهي نوعا من الرشوة لشراء الضمائر أمام عنف الثورات وخوفا من تجددها على يد عناصر لم تقبل هذا الوضع الذي حكم بالهوان على مسلمي الأندلس استمر المسلمون الأندلسيون يؤدون جميع طقوسهم الدينية بكل حرية رغم خضوع امارة غرناطة للحكم الإسباني، لكن الوضع سيعرف مستجدات سيغير من وضع هؤلاء كثيرا.

كتاب: تطوان بين المغرب والأندلس (تشكيل مجتمع مغربي أندلسي في القرنين 16 و 17م)

للمؤلفة: نضار الأندلسي

منشورات جمعية دار النقسيس للثقافة والتراث بتطوان

(بريس تطوان)

يتبع


شاهد أيضا