تطوان بين المغرب والأندلس.. محنة وتهجير إلى الضفة الأخرى (3) - بريس تطوان - أخبار تطوان

تطوان بين المغرب والأندلس.. محنة وتهجير إلى الضفة الأخرى (3)

بريس تطوان

إندلعت ثوراتهم نتيجة الضرائب الجديدة التي فرضت عليهم، كما عوملوا معاملة سيئة نتيجة لثوراتهم المتتالية، وتعد سنة 1498م سنة اندلاع الثورات وقيام التمردات ولتهدئة الأوضاع بعث الملك الإسباني الكاردنال سيسنروس ليبرم مع الثوار المسلمين اتفاقا يحترم دينهم ويقر به ويكف بالتدخل في شؤونهم، لكن الثوار لم يعطوا أي أهمية لهذا الاتفاق نظرا لفقدانهم الثقة في شخصية الملك، فنوالت الثوارت بعد ذلك، وكانت تتخذ من أتفه الأسباب وسيلة لإضرامها، بينما كانت الدوافع الأساسية الغير المباشرة أفضع وأعمق من ذلك بكثير.

واجهت السلطات الإسبانية هذه الثورات بعنف كانت قد انتهجت سبيل اللين والمهادنة وقد وصف المؤرخ الانجليزي ويليام بريسكوت (W.Prescott)(1796-1859) بقوله إن الكونت “ليرين” نسف مسجدا مليئا بالأطفال والنساء وأن الإسبان عند قيامهم بهذه الأعمال الوحشية، فإنهم بعيدون كل البعد عن شعورهم بالدين لأن الأندلسيين في نظرهم مجرد عبيد واتباع، كما لاحظ أن الملك الكاتوليكي لم يشترك في إبادة هؤلاء اعتقادا منه أنه سيلطخ بدماء هؤلاء الوحوش الضاربة، وقد أشار صاحب روض القرطاس إلى الأعمال التعسفية التي ارتكبت في حق المسلمين بقوله “إن النصارى في الأندلس قد شددوا على المسلمين بها حتى أنهم أحرقوا منهم كثيرا”.

وهكذا بداوا ينقصون البنود والعهود واحدا جزءا أو كلا، بل ذهبوا إلى ابعد من ذلك حتى وصل الأمر إلى الموت بأبشع الطرق أما بالحرق أو الموت البطيء لكل من يثبث عليه أي إلتزام بالإسلام، ورغم أن ثورة البيازين انتهت، وتحولت غرناطة إسميا إلى مدينة مسيحية، إذا كان من نتائجها أن أثار أخوانهم في منطقة البشرات الواقعة جنوب غرناطة وقد أرسل الملك الإسباني جيشا ودمر كل ما جده في طريقه.

ولكي تتمكن اسبانيا من القضاء على هذه الثورات المتعددة :البيازين” والبشرات “اتخذت مجموعة من الإجراءات كتحويل عدد من المؤسسات الدينية إلى كنائس وحول مسجد البيزين إلأى كنيسة ومدرسة أطلق عليها “كنيسة المخلص”، الأمر نفسه طبق على مساجد أخرى، كما زادت من شدتها من أجل تنصير المسلمين قسرا ونشطت محاكم التفتيش التي تتابع تحركات الثوار، وبذلك أصبحت الظروف مهيئة لتهجير الأندلسيين والتي تمت غالبا عن غير طواعية في ظل ممارسات وضغوطات عدوانية، ثم صدر قرار التعميد الإجباري، وعند فشل تطبيق هذا القرار تم طرد المسلمين.

كما أن موقف عبد الله الغالب من ثورة الأندلسيين بغرناطة سنة 1568م والتي أوردها المؤرخ المجهول نصها في كتابه تاريخ الدولة السعدية بقوله “فصاروا يكتبون إلى ملوك المسلمين شرقا وغربا وهم يناشدونهم الله في الإغاثة وأكثر كتبهم إلى مولاي عبد الله لأنه هو القريب إلى أرضهم، فأمرهم غشا أن يقوموا مع النصارى ليثق بهم في قولهم لظهور فعلهم، فلما قاموا مع النصارى تراخى عما وعدهم به من الإغاثة وكذب عليهم غشا منه.

ولا نغفل الإشارة إلى الرسالة التي وجهها جماعة من المسلمين في الأندلس إلى محمد الشيخ المأمون يلتمسون فيها مساعدتهم في الإسبان، إلا أن هذا الأخير أخبر بهذه التدابير السلطات الإسبانية التي سارعت في طرد المتآمرين، وقد تردد الأندلسيون في الهجرة أو البقاء فعرضوا مسألتهم على فقهاء العدوة.

خصصت للرد على هؤلاء المغلوبين على أمرهم ثلاث فتاوى اثنين للونشرسي (1430-1509م) تدعوهم إلى الهجرة للمحافظة على دينهم، فقد أفتى في حق مسلم يريد البقاء في اسبانيا لمساعدة مواطنيه في حل مشاكلهم بالرفض بقوله: “لأن مساكنة الكفار من أهل الذمة والصغار لا يجوز ولا يتاح ساعة من نهار لما تنتجه من الآفات والأواصر والمفاسد الدينية والدنيوية طيلة الأعمار”.

وعندما نطلع على فتاوي أخرى للفقيه أحمد بن أبي جمعة المغراوي الوهراني نلاحظ أنها مخالفة تماما في أحكامها لفتاوي الونشرسي المتشددة، فهي تدعو المسلمين إلى التشبث بدينهم كما تضمنت حلولا في حالة مراقبتهم من طرف الإسبان إبان ممارستهم لشعائرهم بقوله “إن أكرهوكم في وقت صلاة إلى السجود للأصنام فاحرموا بالنية واتوا صلتكم المشروعة، واشيروا إلى ما يشيرون إليه من صنم ومقصدكم الله، وأن أجبروكم على شرب الخمر ما شربوه إلا بنية استعماله، وأن كلف عليكم خنزيرا فكلفوه ناكرين إياه بقلوبكم معتقدين بتحريمه. أسفر صدور قرار طرد العرب والمولدون الإسبان سنة 1609م في عهد الملك الإسباني فيليب الثالث (1578 – 1621م) ارتدادهم عن الإسلام وفضلوا وهم الذين حبذوا المقام والعيش في الأندلس واعتناقا صوريا للمسيحية.

أما الذين فضلوا الهجرة فقد تعرضوا للنصب وسبي نسائهم وأبنائهم في كل من الجزائر وتونس، كما لقيت الجالية التي توجهت نحو المغرب ظروفا صعبة بفعل ضعف السلطة المركزية على عهد الوطاسيين، وكذا اشتداد الصراعات حول الحكم، بالإضافة إلى الأطماع الإيبرية ظروف على اقتصادية تمثلت في المجاعات وانتشار الأوبئة كنتيجة لسنوات القحط.

وصف هذه الوضعية صاحب كتاب نبذة العصر بقوله: “وكان من قضاء الله وقدره أن أصاب الناس شدة فظيعة وغلاء مفرط وجوع وطاعون، واشتد فكر الناس من شدة الأمر ورجع بعض الناس الذين جازوا إلى الأندلس، فأخبروا بتلك الشدة وقصر الناس على الجواز . وقررت طوائف أخرى مواجهة هذه التحديات والظروف الصعبة بمساندة الوطاسيين في صراعهم مع الابيريين، في حين فضلت طوائف أخرى الانفصال عن السلطة تماما وتخفيف كيانها الذاتي.

تمت الهجرات الأندلسية نحو العدوة المغربية عبر فترات مختلفة، منها هجرة الربضيين من قرطبة إلى مدينة فاس، وهو يعد أول عبور جماعي من نوعه على غرار الهجرات الفردية كالعلماء والفقهاء والفلاسفة، ثم الطرد المفاجئ الذي تعرض له الأندلسيون بعد سقوط غرناطة سنة 1492م، فقدم مجموعة كبيرة منهم إلى العدوة. وقد مهد طرد العرب إلى طرد اليهود، وأصدرت الأوامر توجب عليهم الخروج من الأراضي الإسبانية في ظل ثلاثة أشهر مع مصادرة أموالهم ومتاعهم.

وهكذا، فقد تعددت وجهة المهجرين إلى الضفة الأخرى، وقد أشار المؤلف المجهول إلى أن تطوان وأحوازها كانت من بين أهم المناطق المستقبلية للوافدين الجدد على اعتبار أنه أول عبور جماعي بعد الهجرات الفردية السالفة الذكر.

كتاب: تطوان بين المغرب والأندلس (تشكيل مجتمع مغربي أندلسي في القرنين 16 و 17م)

للمؤلفة: نضار الأندلسي

منشورات جمعية دار النقسيس للثقافة والتراث بتطوان

(بريس تطوان)

يتبع


شاهد أيضا