تطوان بين المغرب والأندلس.. محنة وتهجير إلى الضفة الأخرى (2) - بريس تطوان - أخبار تطوان

تطوان بين المغرب والأندلس.. محنة وتهجير إلى الضفة الأخرى (2)

بريس تطوان

خصص للملكان الكاتوليكيان استقبالا يليق في غرناطة مباشرة بعد توقيع هذه المعاهدة وصفه مارمول كربخال بقوله: “واستقبل سكان غرناطة الملكين النصرانيين بالتحيات والاحترام وأعربوا لهم عن رضاه، ولما رأى أهل القرى المجاورة والمناطق الجبلية أخوانهم بغرناطة لا يتعرضون لاي سوء طفقوا يسلمون بالأمر الواقع، فقد كانوا بالأمس القريب أشد عدواة للنصارى وأكثر وفاء لأبي عبد الله”.

لما غادرا غرناطة تركا الحكم في يد “الكونت دي تنديا” بعد أن أوصاه بتطبيق بنود المعاهدة وحسن معاملته للرعايا المسلمين، وبالفعل عمل هذا الأخير على ضمان حقوقهم وعلى إدماجهم في الحياة الاجتماعية والعلمية، ونتيجة لهذا الرخاء والمعاملة الحسنة رغب الكثير من الغرناطيين في البقاء واشتروا الرياع من أولائك الذين قرروا الهجرة بأبخس الأثمان، فقد حسنت أوضاعهم الاجتماعية والمالية وقد وصف المؤرخ المجهول هذا الوضع بقوله: “وكان ملك الروم قد أظهر للمسلمين في هذه المدة من العناية والاحترام حتى كان النصارى يغيرون منهم ويحسدونهم ويقولون لهم أنتم الآن عند ملكنا أعز وأكرم، حيث وضع عنهم المحارم وأظهر لهم العدل حيلة منه وكيدا ليقربهم بذلك ويثبطهم عن الجواز، فوقع الطمع لكثرة من الناس وظنوا أن ذلك يدوم لهم واشتروا أصولا رخيصة وامتعة أنيقة وعزموا على الجلوس مع النصارى”.

بدأ النائب أعماله التعسفية ضد المسلمين عندما انتقى أجمل البيوت الأندلسية بالمدينة بحي القصبة وحولها إلى مقر لقواد الجيش الإسباني، بعدما أجلى منها سكانها، كما حول “جامع الطيبين” الذي كان يعد أهم المساجد في البلدة إلى كنيسة، ولم يوجه البابا استنكارا إلى تصرفات الملكين وشجعهما ذلك على مزيد من التعسف بل دعمها بصمته وتجاهاه للأمر، حينها أدرك المسلمون أنه لا فائدة من الاحتجاج، وبذلك يكون البابا قد اعتبر شروط المعاهدة مجرد إلتزام أهلته الضرورات السياسية العسكرية. وقد ظل الدافع المحرك لكل تصرفات الملكة إيزابيلا هي شخصيتها القاسية التي لا تعرف السلم والاعتدال، وقد أعمى بصيرتها الكره الديني والعنصري الذي تكنه للعرب ودينهم وهي بذلك بسبب إرواء غليلها وشفاء حقدها لم تحترم عهودها.

لم ينعم الأندلسيون بالحرية الدينية التي اقرتها المعاهدة طويلا، حيث عينت الملكة إيزابيلا سنة 1495م “الكاردنال سيسنروس”ن والذي وصفته المصادر سواء العربية أو الإسبانية أنه كان عنيفا سلريع الانفعال لا يقبل مناقشة أو نقدا. لقد بدأ مخططه التنصيري بأساليب طغى عليها اللين والإغراء في الوقت نفسه، فأكثر البذل والعطاء للمتنصرين، وقد توج عمله بدخول حوالي 4000 شخص إلى المسيحية بدون مراسيم، لكنه في فترة لاحقة غير مخططه ونهج أسلوب الضغط والتهديد وأصبح التنصير قسرا، وهذا ما أشار إليه المؤلف المجهول بقوله: ” ثم بعد ذلك دعاهم إلى التنصير وأكرههم على ذلك سنة أربع وستمائة فدخلوا في دينه كرها فصارت الأندلس كلها نصرانية، ولم يبق من يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم جهرا إلا أن يقولها في نفسه وفي قلبه وخفية من الناس، وجعلت النواقيس في صوامعها بعد الآذان وفي مساجدها الصور والصلبان بعد ذكر الله تعالى وتلاوة القرآن”.

خطط الكاردنال لفصل المسلمين عن ثقافتهم وحضارتهم ولعل ذلك سهل في تنصيرهم فقام بأفضع جريمة حضارية عرفها التاريخ حيث امر بجمع الكتب العربية عن أهالي غرناطة وأرباضها ونظمت أكداسا هائلة في ميدان باب الرملة أعظم ساحات المدينة وفيها الكثير من المصاحف البديعة الزخرف والآلاف من كتب الآداب والعلوم وأضرمت فيها النيران ولم يسلم سوى ثلاثمائة كتاب في الطب والعلوم، ورغم ذلك لم يستطع بهذا العمل الشنيع أن يفصل المسلمين عن حضارتهم وتراث أجدادهم كما أن تعسفه ولم يطفئ نور الاسلام في الفردوس المفقود، ويقر مؤرخون آخرون أن الجيل الذي نشأ بعد هذه الحقبة ظلا منفصلا عن تراثه، وذلك استنادا على نص ورد عند صاحب نبذة العصر فقال “لم يعد أحد يقوم بدعوة الاسلام وعم الكفر جميع القرى والبلدان وانطفى من الأندلس نور الاسلام والإيمان”، بينما وصف ابن زرع في كتابه وضعية الأندلسيين بعد هذا الإجراء حيث قال “غير أن عامتهم كانوا قد تخلقوا بأخلاق العجم، وإثر ذلك بالغا لطول صحبتهم لهم ونشأة عقابهم بين أظهرهم”.

وبهذا العمل الشنيع، ظفر الإسبان بغرناطة التي لم يمن سوى بداية النهاية في مصير الأمة التي فقدت أثر ذلك حريتها وسيادتها، لكن لا ننكر أنه بعضهم كان لهم رد فعل عنيف إزاء هذه السلوكات ولم يظلوا دون مقاومة فقد عرفت المناطق الحضرية ثورات واشتدات في المناطق القروية خصوا أن أهاليها مازال تجري في عروقهم الحماسة الدينية.

كتاب: تطوان بين المغرب والأندلس (تشكيل مجتمع مغربي أندلسي في القرنين 16 و 17م)

للمؤلفة: نضار الأندلسي

منشورات جمعية دار النقسيس للثقافة والتراث بتطوان

(بريس تطوان)

يتبع

 


شاهد أيضا