تطوان.. اليهود "السفارديم" ومحنة الهجرة - بريس تطوان - أخبار تطوان

تطوان.. اليهود “السفارديم” ومحنة الهجرة

بريس تطوان

شملت عملية الطرد كذلك العنصر اليهودي (السفارديم) الذي لم يسلم من ملاحقة وسخط محاكم التفتيش، لكن مصيرهم كان اقل مأساوية من المسلمين، وذلك لتجربتهم الطويلة في التعامل مع الازمات وتحويلها لصالحهم، وذلك في التجمع بعد التشتت والتعاطي للتجارة الذي يسهل نقل رأس المال من مكان لآخر إلى جانب امتهان الصناعة والحرف. فهناك تشابه كبير بين عملي طرد هاتين الاقليتين على الرغم من تنوع زوايا النظر لاسيما ما يتعلق منها بأسباب الطرد التي خرجت من الحيز الانساني إلى الحيز الديني.

تثبت المعطيات التاريخية على أن طائفة يهود تطوان أغلبها من أورمة أندلسية خالصة، كان لهم شان عظيم بإسبانيا خول لهم التدخل في شؤون الدولة، مما تسبب تصرفهم هذا من طردهم وتهجيرهم إلى شمال افريقيا، ولا شك ان شأنهم العظيم انتقل معهم إلى العدوة المغربية وبالخصوص إلى المدن الذي استقروا بها كتطوان وفي هذا المضمار قال عنهم احد المؤرخين: “كان لهم اليد في صيرورة تطوان ومكانتهم كبيرة لما عندهم من الاقتصاد والحزم والجد في الاعمال وحب السعي في اكتساب الفلس ومعرفة الاشغال الكبيرة وخصوصا الاشغال التي لا يعرفها او يترفع عنها المسلمون.

وانطلاقا من هذه الحضوة التي حضت بها الشريحة اليهودية شكلت من خلالها قوة استطاعت بواسطتها أن تفرض نفسها على باقي الطوائف اليهودية الأخرى بالمغرب، ومما زاد من تقوية سلطتهم واتساع نفوذهم موقع المدينة الاستراتيجي، الذي خول لهم لعب دور الوساطة بين يهود أروبا والطوائف اليهودية الأخرى المتواجدة بباقي المدن المغربية الأخرى القصر كالكبير واصيلا وفاس، وساعدهم في اتقان ذلك محافظتهم على اللسان القشتالي الذي سهل لهم مأمورية التواصل مع الطوائف اليهودية الإسبانية.

لا يمكننا انكار الدور الفعال الذي قام به اليهود من أجل تحريك عجلة التجارة الداخلية والخارجية للمدينة وثبتت الدراسات انهم كانوا على علاقة وطيدة ببعض المدن الأوروبية سواء الإسبانية او الفرنسية وحتى الهولندية والانجليزية. ولاشك أن هذه الطائفة حققت أعمالها التجارية المزيد من المكاسب المادية وزادت من توطيد مكانتها الاقتصادية والاجتماعية وفي توسيع نفوذها وسلطتها رغم ان عددها كان لا يتعدى في نهاية القرن 16م وبداية ق17 م من 2000 إلى 3000 يهودي.

إلى جانب الصناعة اهتمت الطائفة اليهودية بالعلم والمعرفة، خصوصا تلقين الثوراة وتعاليم الدين اليهودي وخصصت لهذا الغرض اجور لمدرسي الثوراة من ماليتها الخاصة، بذلك اكتسبت المدينة طابعا دينيا مقدسا بالنسبة لباقي الطوائف في المدن الكبرى، واعتبرت تبعا لذلك بمثابة قدس صغير ارشليم وقد أكدت ذلك أخبارها في كتاباتهم.

ساهم هذا التعليم في استقطاب العديد من اليهود إلى المدينة تتكثلوا بشكل ملحوظ وتعصبوا لدينهم وشرائعه واندمجوا في بوثقة واحدة تميزت بالتكافل والتعاون بين أفرادها واحتقار كل الملل الأخرى. اهتمت هذه الشريحة المكونة للمجتمع التطواني بالصنائع والحرف كالحدادة وصناعة الاسلحة وصناعة الجلد والسروج والدباغة.

وحققت بهذه الصنائع مكاسب مادية هائلة. ومن بين العائلات اليهودية ذات الأصول الاندلسية التي استقرت بتطوان طوليدانو (Toledano) وباريينطي (Pariente) بينيطو ((Pinto مورینو(Moreno) ولاريدو(Laredo) نالت هذه الشريحة خطوة كبيرة في المجتمع التطواني بفضل مكاسبها المادية التي جنتها سواء من الصناعة أو التجارة وقد زادها اهتمامها بالتعليم والثقافة كيانا جديدا مكنها من تحدي كل المعوقات التي صادفها وبذلك اكتست شخصية ثقافية وحضارية اثرت تأثيرا بالغا في المجتمع.

ولا شك أن تشابك عدة معطيات مثل وضعية أهل الذمة وقرب العهد بسيطرة اليهود بفاس وانتشار مرض الزهري آنذاك، وهو ما يمكن اعتباره نوعا من الاحتياط وردة فعل عفوية تجاه هذه العناصر الطارئة التي صادف انتقالها في فترات عصيبة من حياة المغاربة. رغم ذلك حدثت عملية التساكن والتعايش بين المسلمين واليهود بشكل سريع وودي، فالمسلمون مكنوهم من الحصول على العقار فجاوروهم في سكنى البلد.

كتاب: تطوان بين المغرب والأندلس (تشكيل مجتمع مغربي أندلسي في القرنين 16 و 17م)

للمؤلفة: نضار الأندلسي

منشورات جمعية دار النقسيس للثقافة والتراث بتطوان

(بريس تطوان)

يتبع…


شاهد أيضا