تطوان.. المعارك الدينية بين التأييد والمعارضة حول استعمال الموسيقى والطرب (1) - بريس تطوان - أخبار تطوان

تطوان.. المعارك الدينية بين التأييد والمعارضة حول استعمال الموسيقى والطرب (1)

بريس تطوان/يتبع…

في الزاويتين الريسونية والحراقية

لم يسجل على علماء تطوان مواقف ضد تحريم الموسيقى والغناء، بل إن جل أعيان المدينة على اختلاف طبقاتهم كانوا يحضرون المجالس الفنية في الأندية الخاصة، سواء التي كان ينظمها القطب الرباني “سيدي عبد السلام ابن ريسون” أو من قبله الصوفي الكبير سيدي محمد الحراق. والمعركة احتدمت ووصلت حدتها من مدينة فاس التي كان بعض علمائها يحرمون السماع والإنشاد والموسيقى، وكل ما له علاقة بها.

وقد وصل الأمر بسبب مجالس الطرب هاته إلى احتدام معركة دينية بين مؤيد ومعارض، ومحلل، ومحرم، لاستعمال الموسيقى في بيوت الله وفي الزوايا، وانحاز كل اتجاه لرأيه، يبحث في الكتب القديمة، والمضان الكبرى، على أن يجد دليلا من الكتاب والسنة يستدل به على موقعه.

وهكذا انبرى من يهاجم هذه الصحوة الجديدة في عالم المتغيرات المحدثة في الزوايا، وبين أهل الصوفية أنفسهم كالقطب ابن ريسون، والانتقاد الموجه إليه في مزج الألحان والموسيقى بالأمداح النبوية والأشعار الصوفية، ولم يخل حتى من الهجوم على مجالس الطرب التي كان يعقدها مع صفوة من خلانه في رياضه المسمى برياض الشرفا أو في بيوت أحد أصدقائه، وقد أفرادا لعلامة محمد المرير دراسة خاصة عن احتدام هذه المعركة التي تزعمها العلامة محمد كنون الفاسي عند تأليفه لكتاب في تحريم الآلة المسمى ب “الزجر والإقماع” وجه بالنقد إلى الشيخ نفسه. وحينما قرأه الشيخ سيدي عبد السلام ابن ريسون امتعض منه وقال: “لو ألف في غير هذا لكان أصوب”.

وقد وصف العلامة المرحوم عبد الله كنون في كتابه “النبوغ المغربي” في الجزء الأول عند الحديث عن النهضة العلمية، العالم سيدي محمد كنون بأنه كان فقيها، محدثا، نحويا، لغويا، معقوليا، مشاركا، محققا، نزيها، قوالا للحق، مطبوعا على ذلك، غير هياب، ولا وجل، لا يخشى في الحق لومة لائم، يحضر مجلسه الولاة، والأمراء أبناء الملوك وغيرهم، وهو يصرح بإنكار أحوالهم وما هم عليه، مبين لهناتهم، غير متشدق، ولا متصنع، ووصلته بذلك إذاية وسجن، لكن بمجرد سجنه اعتصم الطلبة وقامت قيامة العامة فأطلق سبيله، لذلك فهو أحق من يقال في حقه مجد، لكثرة النفع به وانتشار العلم عنه، وكان شديدا على أهل الطرق ومالهم من البدع التي شوهت جمال الدين والمتصوفة أصحاب الدعاوي التي تكذبها الأحوال، وما كان أحد قدر على الرد عليه مع إغلاظه عليهم وعلى غيرهم، وسلوكه في ذلك مسلك التشديد بل التطرف في بعض المسائل.

ويضيف عبد الله كنون، ولم يكن في نيتنا أن نترجم له في هذا الكتاب، ولكن صديقنا المرحوم فقيد الوطنية الحاج عبد السلام بنونة ألح علينا كثيرا في ترجمته، لما رأى الكتاب خاليا منها، قائلا: “إن مثل الفقيه كنون لا يجوز أن يخلو من ذكرها كتاب يوضع بين يدي الناشئة لتذكيرها بمجدها الطريف والتليد، وعظمة تاريخها القريب والبعيد، فنزولا عند رأيه ذكرنا هذه الترجمة المقتضبة من أقوال الناس فيه. “وقد توفي عام 1302 هجرية”.

إن التشديد على الطرق الصوفية الذي وقفه الفقيه محمد كنون كان مصدره البدع التي عمت البلاد في هذه المرحلة، وهو رجل علم وفقه تصدى لمحاربتها ووجه الناس إلى مناهل العلم والمعرفة ومحاربة المناكر وأدعياء الاتكالية وغيرهم من المشعوذين. والذي يقرأ الخطبة الهامة للسلطان مولاي سليمان التي وزعها على عموم المساجد المغربية بشأن التحذير من هذه البدع التي تحضر في المواسيم والأعياد الدينية والطوافية التي كثرت آنذاك على الأضرحة والقبور بكثرة الرايات والاجتماع للبيات وحضور النساء والأحداث، وتغيير الأحكام الشرعية بالبدع والتصفيق والرقص وغير ذلك من أوصاف الرذائل كما يقول السلطان في بعض فقرات خطبته المشهورة ضد البدع والمنحرفين والمشعوذين.

يدرك موقف الشيخ كنون ضد البدع الموسيقية في الزوايا ومعارضته لها، ولكن على ما يبدو لم يجد الفقيه كنون صدى لدعوته، خصوصا موقف العلماء حولها بين التحريم والإباحة كما أسلفنا.

أما التهامي الوزاني فقد وصف هذه المعركة المعارضة بقوله: “وبينما القوم في فنهم واستغراقهم فيه، وصرفهم ذلك في سبيل الاستعانة على العبادات بما تحدثه من رقة وقابلية، إذا بجماعة من أصحاب الفقه والروع يشددون النكير على هؤلاء القوم ويحرمون الطرب، فكانت أقوالهم تصل إلى السيد فيقول: “إن كان ما نحن فيه مباحا فما كنا لنتورع عنه، وإن كان حراما فهو من الذنوب التي نستغفر الله منها”.

يعلق الفقيه المرير على هذه الانتقادات الموجهة للشيخ، “بأن حكم المسألة معروف، والخلاف فيها بين العلماء مشهور، منهم من اعتمد التحريم وأيده بالمنقول، ومنهم من اختار الإباحة ورأى أن ما استدل به معلوم”.

ويجنح المرير لجانب ابن ريسون في هذه المسألة ويرد على العلامة كنون، وعلى مؤلفه بقوله: “إن الإنكار على مثل هذا الشيخ في هذا الموضوع مردود على صاحبه ومدفوع، ويعتبر أن المسألة اكتسبت طابع الخلاف بين العلماء، ولم يقم عليها إجماع، وإن حكاه من حكاه فيها على سبيل الدفاع والإقناع. ومن شرط إنكار المنكر أن لا يكون فيه خلاف يذكر. ومع وجود خلاف الأئمة فلا إنكار، إذ فيه سعة ورحمة. على أن الخلاف في هذه المسألة غريب الاستماع، إذ حكى كل من المحرم والمبيح على مقاله الإجماع”.

عن “الأجواء الموسيقية بتطوان وأعلامها”

لمؤلفه محمد الحبيب الخراز


شاهد أيضا