تطوان.. المعارك الدينية بين التأييد والمعارضة حول استعمال الموسيقى والطرب (2) - بريس تطوان - أخبار تطوان

تطوان.. المعارك الدينية بين التأييد والمعارضة حول استعمال الموسيقى والطرب (2)

بريس تطوان/يتبع…

ويضيف المرير في هذه الدراسة الممتعة التي نشبت بمنسبة إدخال الموسيقى إلى الزوايا كثيرا من الأقوال لجهابذة الفقه والعلم للاستدلال على موقفه من الإباحة، فيستدل بالحافظ بن حجر وما ورد في كتابه العيدين: (وأما الآلات فسيأتي الكلام على اختلاف العلماء عند الكلام على حديث المعازف في كتاب الأشورية، وقد حكى قوم الإجماع على تحريمها، وحكى بعضهم عكسه) ولا يتردد الفقيه المرير في نقل رأي علماء الأمصار من الأئمة الأربعة. ويقول المشهور عندهم في الغناء هو التحريم، كالإمام أبي حنيفة الذي يعتبر من المتشددين في ذلك حينما اعتبر (الاستماع إلى الموسيقى فسقا، والتلذذ به كفرا، وليس بعد الكفر غاية، ولما سئل الإمام مالك عن الغناء، قال: (إنما يفعله الفساق). أما الإمام ابن حنبل لما سأله ابنه عبد الله قال يا بني (أنما ومكروه، يشبه الباطل)، ويسترسل المرير بعد ذلك في نقل أقوال الفقهاء بين التحريم والإباحة ليخلص في الأخير إلى تبني رأي الإمام عمدة الشريعة والحقيقة (أبو العباس سيدي أحمد بن الخياط الذي بحضوره في مجالس الطرب المسالمة من الارتياب معروف وسماعه لذلك وتأثره به، واقتراحه الأوزان الخاصة التي تشعر أن له الماما بالفن لا ينكره إلا من يجهل حاله موصوف، وذلك يدل على أنه يقول بعدم الحرمة، والأئمة في خلاف العلماء رحمة).

وهذا الموقف الايجابي من الموسيقى للفقيه محمد المرير له دلالته العلمية وله مغزاه النفسي، فقد صادف أن “كان الفقيه المرير مصابا بالمرض، فدعا الطلبة لان يقرأ معهم كتاب الشفاء، ولتكن القراءة درسا واحدا في الأسبوع، فكان يحضر هذا الدرس تقريبا كل الطلبة الموجودين في تطوان، بل وكثير من الأساتذة، وكان المرير يلقي هذا الدرس في بيت صهره القناوي، وكان يحتفل احتفالا ما مزيد عليه، فكان يلبس جميل الثياب ويفرش غرفته ذات الخراجة بأفخم الفرش، وإذا كان وقت الدرس كان بخور العود يعبق به المكان، حتى إذا فرغنا من الدراسة أحضرت آنية الشاي وقدمت صواني الحلواء، وفي هذه الأثناء يكون المزمزمون يرددون الأذكار وقطع الموسيقى الجميلة، وأبياتا من همزية البوصيري وكلام القوم، وعلى رأس المسمعين سيدي محمد النبخوت رحمه الله وسيدي أحمد بن عبد الكريم الحداد”.
وهكذا كانت تطوان شغوفة بالفن والموسيقى والأمداح، حاضرة معها في كل مكان، وقائمة بها في كل زمان حتى إنها كانت تشاركها في الدروس العلمية ونوادي الأدب.

ويذكر الفقيه أحمد الرهوني: “أن شيخه محمد المدني كنون الفاسي، كان يزور الشيخ سيدي عبد السلام ابن ريسون ويعتقده مع ما كان عليه من شدة الإنكار على من يستعمل آلة الطرب ويحكي الإجماع على حرمة ذلك، وقد ألف في ذلك تأليفه الذي سماه (الزجر والإقماع، عن آلة اللهو والسماع) حكى فيه الإجماع على الحرمة، وقدم به في بعض زياراته له بتازروت، مريدا صرفه عن ذلك بذلك التأليف قاصدا بذلك النصيحة لما حصلت له على مقامه من الغيرة في نظره رحمه الله، فقابله الشيخ ابن ريسون رضي الله عنه بغاية البشاشة، وقال له: “هل هذه الآلة من الكبائر أو من الصغائر، فقال بل من الصغائر، فقال له فنحن إذا فرغنا منها نستغفر الله عز وجل، ولم يعارضه”.

بل إن الفقيه الرهوني هو الآخر أورد في هذه المسألة عدة آراء لعلماء كبار أمثال الشيخ جعفر الكتاني الحسني الإدريسي المتوفى عام 1323 هجرية في كتاب كبير له في الموضوع اختصره الشيخ سيدي أحمد بالخياط المتوفى عام 1343 هجرية، وانفصلا على أن في المسألة ثلاثة أقوال: وعلى أن الناس إذا ذهبوا في مسألة على قول ولو ضعيف حملوا على أنهم قلدوه في العصر الأول ولم يشوش عليهم بالمشهور كما ذكره عدد من الأئمة”.

وما دامت المسألة فيها خلاف، فليس هناك تحريم.

وربما انصدع العالم محمد كنون لنداء الوتر، ولصوت الهزار، وشعر الأذكار، فقد أتى التهامي الوزاني في كتابه “الزاوية” بهذه القصة التي وقعت لأحد الفقراء مع العالم المذكور: “وحكى لنا الشيخ سيدي إدريس الحراق أنه قابل بفاس رجلا بناء طاعنا في السن كان من أصحاب سيدي محمد الحراق، فحدثه أن الفقيه الكبير سيدي محمد بن المدني كنون صاحب اختصار حاشية الرهوني على الزرقاني عند ما كان يبني داره بفاس، كان هذا البناء ممن يعمل فيها، ولما وصل وقت فراش الدار بالزليج بقي بها وحده، يغلقها عليه ويشتغل جالسا ولم يكن أحد يجرؤ أن ينطق بشيء من الغناء أومن كلام القوم بمسمع من الفقيه كنون، وفي ذات يوم ظن البناء أن الدار فارغة فأخذ يذكر الهيللة ويخللها بأبيات من تائية الحراق، واستمر فيها إلى أن أتى على أخرها ثم سكت، قال فلم أشعر إلا والفقيه قد وقف على رأسي وهو هادئ تمام الهدوء، فلما وجدته أمامي وأيقنت أنه كان يسمع نشيدي اعتراني من الدهش والحيرة ما لا يعلمه إلا الله، ولم أشك في أنه سيفعل بي سوءا من ضرب أو نحوه، ولكنه سألني في لطف عن القصيدة التي كنت أقولها لمن هي، فترددت في الجواب خشية أن يسمعني في شيخي، ما لا أحب سماعه ولكنه ألح علي، فقلت هي من كلام الشيخ الحراق فاستنشدني إياها ثانيا فلما وصلت إلى قوله فيها:

ومكن بكف الشرع أمرك كله *** فدونك إن لم تفعل الباب سدت

استعاده عدة مرات كأنه يحفظه، فلما فرغت من إنشادي قال لي هكذا يكون المشايخ لا كهؤلاء المدعين، إما أني لو أدركت الشيخ سيدي محمد الحراق لأخذت عنه.”

بل إن بعض المتشددين من علماء تطوان من كانوا ينفرون حتى من حضور حفلات الأعراس لوجود الموسيقى والطرب، وليس ارتقاء هذه الموسيقى بتطوان إلا صدى لما ظل يتردد من كون الموسيقى “ولدت بفاس وتربت بتطوان” – فلم تتأثر بأي اتجاه معارض، إذ أن التيار الجارف لعشقها وحبها ملك على الناس أفئدتهم، فساروا في تيارها إلى الأبد.

والخلاف بين الإباحة والتحريم، لم يكن مقتصرا على المغرب وحده، بل أيضا في الشرق العربي، فهذا شهاب الدين محمد بن إسماعيل المتوفى عام 1274 -1857 ميلادية الذي ولد بمكة واش بمصر، وتربى بين أحضان الأزهر الشريف ينهال من علومه، وفي قصيدة له يرد بها على المتشددين بالتحريم ويتفق مع الفيلسوف الأندلسي الكبير ابن حزم في جواز القول بالمعازف (أي بآلات الطرب) فيقول:

ثم ابن حزم وهو حبر عارف *** قد جوزت في قوله المعازف

وعنده قد حلت الأوتـــــــار *** والدف والطبول والمزمــــــار

كذلك الأرغن والربابـــــة *** والناي والموصول والشبابة

ولا جناح في (الجناح) عنده *** فأسمع لها واطرب وتابع جنده

ويضيف:

فاجزم به وشنف المسامعا *** واشرب، وكن في العفو عنك طامعا

ودع سفينة الذنوب ماخرة *** في بحر فضل الله حتى الآخرة

عن “الأجواء الموسيقية بتطوان وأعلامها”

لمؤلفه محمد الحبيب الخراز


شاهد أيضا