تطوان المدينة المنظرية.. الأبواب والقصبة - بريس تطوان - أخبار تطوان

تطوان المدينة المنظرية.. الأبواب والقصبة

بريس تطوان

يصف مخطوط مؤلف فاسي يرجع إلى القرن السابع عشر المدينة التي أسسها الأندلسيون، وهي مدينة محصنة ومحاطة بربض مزدوج ثم بحفائر فيما وراء الأسوار وقد فتحت فيها ثلاثة أبواب، وتشرف على المدينة قصبة من جهة الجنوب الغربي.

ويوجد موضع تطوان الأول في حي المدينة الحديثة الحالية المعروف بإسم “البلد”، وهو اسم جنس ينعت التأسيس الأولي، ومن التحصينات الأصلية ما زالت الأسوار الخارجية وثلاثة أبراج من القصبة قائمة على امتداد ما يعرف اليوم بسوق الحوت والغرسة الكبيرة وزنقة القزدارين، وهناك آثار أخرى يمكن العثور عليها على امتداد نطاق المدينة الشمالي حول باب المقابر، وبين هذين الموضعين لا زالت توجد حنية في الربض. وتمكننا الدراسة اللغوية لأصل أسماء الأزقة من الوقوف على آثار أخرى لأسوار القرن الخامس عشر، وهكذا فإن إسم زنقة أحفير ينطبق على الحفائر التي حفرت خارج أسوار المدينة في اتجاه فاس، وكانت بناية “الغرسة الكبيرة” فيما مضى بستانا يقع خارج الأسوار.

ولقد اندثرت الأبوب الثلاثة الأصيلة، فباب المقابر وإن ظل قائما فقد ضاع شكله الأولي؛ ويذكر المنحنى المزدوج في أعلى سلوقية سيدي السعيدي دون شك بموضع الباب الثاني للمدينة، أما الموضع الباب الثالث فلم يعثر له على أثر، ومن المرجح أنه كان يوجد بالقرب من القصبة، ويوجد في حالة جيدة باب آخر يصل القصبة بالمدينة، ونظرا لقربه من المشور أو قصر القرن السادس عشر، فما زال يعرف إلى يومنا هذا بباب المشور بالرغم من وجود المشور الحديث والمعروف أكثر لدى الناس في مكان آخر. وتتكون باب المشور من جزئين وقباب قائمة على مثلثات كروية تتخلل الأقواس الحاملة للقبة، ولقد زخرفت الواجهات الخارجية بالأشكال الهندسية المذكورة، وبالآجر بنيت العقود بدقة، وتحت القباب جوفت في سمك الحيطان المشاكي التي كانت تحمي الحراس. ويشبه هذا الباب من حيث التصميم وطريقة الصنع الأبواب الناصرية في غرناطة وباب قصبة الحمراء.

وكانت القصبة، وهي مركز الحكم والقيادة العسكرية، تقع جنوب غرب مدينة المنظري وليس في قلبها كما هو الحال في المدينة الإسبانية المسيحية. وتأثير الفن المعماري الإسلامي جلي في موضع القصبة، وتتكون واجهتها الجنوبية الغربية، والتي لازالت في حالة جيدة، من ثلاثة حصون وجزء من طريق الجولات الدورية التفقدية، وكان سور المدينة يمتد في اتجاه الشمال مشرفا على سوق الحوت الحديث والغرسة الكبيرة، وتختلف أشكال أبراج القصبة ما بين المستطيلة الشكل كالبرجين الخارجيين، والمضلعة الشكل كالبرج الأوسط، وقد بنيت كل هذه الأبراج بطبقات متعاقبة من الدبش والآجر وتعلوها شرفات، بينما نجد البرج الداخلي وقد نمق بحنايا خادعة على شكل أهلة من الآجر.

ويمكن مقارنة بقايا سور قصبة تطوان بالتحصينات الإسبانية ذات النمط المدجن بتعاقب الدبش والآجر في الجزء الأسفل من أسوارها، وتنميقها بالطين المدكوك خلافا للتنميق بالحجر المنقوش، وبروجها المضلعة الشكل، ونزافذها الهلالية الخادعة، وشرفاتها، وكل هذه المميزات توجد في القلاع القشتالية ذات النمط المدجن التي ترجع إلى نفس الفترة، كقلاع ألمرية (Almeria) وكوكا (Coca) في سيغوفية (Segovia)، ومغيدة (Magueda) في طليطة (Toledo)، وإن كانت التحصينات التي أقامتها الممالك الأعظم شأنا أكثر جزالة وقوة وكمالا من المنشأت الدفاعية المشيدة في ذلك الثغر الصغير الذي جسد تطوان ذلك العهد.

وكان يوجد داخل القصبة مسجد يعرف اليوم بجامع القصبة، وقد أعيد بناؤه على امتداد القرانين السابع عشر والثامن عشر، كما أعيد تشييد دار الإمارة أو دار السكنى، -مقر الحاكم- التي كانت تحد بجنوب المسجد، وبالرغم من اندثار أشكال القصر الأصلية، فإن موضعه المجاور مباشرة لجنوب المسجد يعكس تقليدا إسلاميا قديما يرجع إلى العصر الأموي في الشرق الإسلامي، والجزء الوحيد من قصر المنظري الذي حافظ على شكله الأولي هو الحمام الصغير الخاص الواقع في الغرب، وهو يتكون من قبتين مرفوعتين فوق أعقاد مروحية الشكل.

وكان جورج مارسي (Georges Marçais)، في دراسته القيمة حول فن العمارة في الغرب الإسلامي قد اعتبر أن لاوجود في المغرب لأطلال ترجع إلى الفترة الممتدة ما بين 1335 و 1557، أي نهاية العصر المريني وفترة خلو العرش الوطاسي، بيد أن آثار تطوان مكنت من سد هذه الثغرة.

وبإستثناء المطامير وحمام عمومي، فقليل من بنايات المدينة الأخرى التي ترجع إلى نهاية القرن السادس عشر ما زال قائما، غير أنه يمكننا تكوين فكرة عن تصميم المدينة الأولي انطلاقا من حي البلد ودراسة أسماء مواضعه لغويا وتاريخيا، وكان المهاجرون الأندلسيون إلى تطوان قد بنوا فعلا ضاحية جديدة، بينما استقر المهاجرون الآخرون الذين قصدوا مدنا أخرى من المغرب كفاس وسلا والشاون في أحياء خاصة سميت بعد ذلك بالأحياء الأندلسية، كحي ريف الأندلس في الشاون مثلا، ولم تعرف تطوان هذه الحالة بحيث لم يوجد فيها حي خاص بالأندلسيين، وهو ما يدعم الرأي القائل بأنه لم يكن هناك سكان سبق وجودهم بناء المدينة الجديدة، فتطوان أندلسية بكل معنى الكلمة، وجوهرها الحضاري أندلسي محض.

وكان هناك حي منفصل عن المدينة الأولية يأوي الطائفة اليهودية التي كان عدد أفرادها مرتفع نسبيا منذ العقود الأولى، وكان هذا الحي يقع في الزاوية الشمالية الغربية من المدينة، وما زال أثره حيا في إسم زنقة “الملاح البالي”، ولقد سكن اليهود هذا الحي إلى أن هدمته عساكر السلطان مولاي يزيد سنة 1790. وسيرحل الملاح بعيد ذلك إلى موضعه الحالي.

وكل مساجد حي البلد، كجامع “بن ناصر” وجامع “الرابطة”، هي مساجد صغيرة لم تحتفظ إلا بقليل من أثار هذه الفترة، وميزة هذه المساجد الأصلية هي بساطة بناء ملآذنها وصغر حجمها وقد بنيت بالآجر في عهد لم تكن الدور المجاورة تعلوها، وأقدم مئذنة يبدو أنها احتفظت بزخرفتها الأصيلة، هي مئذنة جامع “الرزيني” الذي بنته سنة 1591 إحدى العائلات الأندلسية التي ظهرت في تطوان منذ نهاية الخامس عشر أو بداية القرن السادس عشر. وباستثناء هذه الأمثلة فإن دور أو مساجد هذه الفترة قد أعيد بناؤها كلها، وهكذا فإننا لانجد أي أثر آخر لهندسة بناء هذه الفترة، لكن تخطيط الأزقة الحالي بردوبه وحدائقه الصغيرة يمثل على الأرجح تصميم البلد في القرن السادس عشر، وأكثر المناطق عمرانا وأكثرها سكانا في المدينة المحصنة، وهي المناطق التي يوجد فيها أكبر عدد من الأزقة المسقفة، (السوابيط ج الساباط)، توجد في الأحياء السكنية من البلد كحومة المطامر، وإلى هذه الفترة يرجع ازدهار صناعة الجلد التي اشتهرت بها تطوان؛ وتتجمع المدابغ في الزاوية الشمالية الغربية من المدينة الأصلية، فيما وراء باب المقابر، وتذكرنا أسماء الأزقة بأنشطة المدينة الأخرى كالصياغيين والنجارين والعطارين أو المستشفى (المارسطان، وهو اسم استمد أصله من الكلمة الفارسية المارستان).

وحمام سيدي المنظري هو حمام عمومي ينسب بناؤه إلى أبي الحسن المنظري، وهو ما زال يستعمل إلى يومنا هذا، ويمكن مقارنته بحمامات العصر الوسيط في الأندلس، ويوجد هذا النمط من البناء في غرناطة وروندة (Ronda) وفاس أو الرباط. وهو يتكون من أربعة أجزاء مميزة وهي: مستودع الملابس أو المدخل، ويليه الحمام البارد، ثم الحمام السخين فالحمام السخن، وكان المدخل مجهزا بدكك للاستراحة وبفناء صغير وقد سقف بقبة.

العنوان: تطوان الحاضرة الأندلسية المغربية

المؤلفين: جون لوي مييج/امحمد بن عبود/نادية الرزيني

منشورات جمعية تطاون أسمير

(بريس تطوان)

يتبع…


شاهد أيضا