تطوان... الفترة الموريسكية وازدهار المدينة - بريس تطوان - أخبار تطوان

تطوان… الفترة الموريسكية وازدهار المدينة

بريس تطوان

كان للمهاجرين الموريسكين في بداية القرن السابع عشر دور كبير في توسع تطوان وفي الأهمية التي أصبحت تكتسيها، وابتداء من 1609 وهو التاريخ الذي اتخذ فيه قرار الطرد، وصلت إلى المدينة كبات جديدة من اللاجئين، وكان هؤلاء القادمون الجدد في الحقيقة يختلفون كثيرا عن سابقيهم. فهم لم يأتوا من الأندلس فحسب، بل من جميع أرجاء إسبانيا، وخاصة من قشتالة وأراغون، وكان هؤلاء الموريسكيون الذين تنصروا في الظاهر، يدينون بالإسلام سراً. ولم تشمل قرارات النفي الأولي في 1566- 1567 إلا بعض أولئك الذين خانتهم بشكل أو بآخر السمات المميزة لحياتهم اليومية، كطريقة كلامهم وتفاصيل لباسهم وارتيادهم الحمام وأغانيهم ورقصاتهم، أما عملية الطرد الكبرى التي أمر بها فيليب الثالث فقد شملتهم جميعا.

ومن جديد غصت الطرق الكبرى المؤدية للمنفى، واستقطبت تطوان الكثير من المهاجرين، وكان استقبالهم حسنا على العموم. وكما كانوا قد أوخذوا في إسبانيا لأنهم ظلوا مسلمين، فإنهم لوموا في المغرب على عدم بقائهم في معزل عن التأثيرات المسيحية، ألم يتكلموا الإسبانية بسهولة وتلقائية أكثر من تكلمهم العربية؟ ألم ينحصر فهمهم للإسلام غالبا في الطقوس وظاهرها؟

وفي فاس كانت التصرفات العدائية تجاه المهاجرين متعددة وسافرة، بل حتى كلمة موريسكي اكتست معنى محقرا، وسكن هؤلاء المهاجرين أحياء متميزة، وفي سلا، بما أنهم كانوا عرضة لعداء السلاويين، فإنهم استقروا في العدوة الأخرى لأبي رقراق، في سلا الجديدة قبالة سلا القديمة، وفي تطوان نفسها كان المهاجرون ضحايا مشاحنات مأساوية أحيانا، كتلك التي يحكيها جون هاريسون (John Harrison). ففي سنة 1625، تمت حسب هذا الأخير مطاردة وقتل بعض الموريسكيين نظرا لديانتهم المسيحية المفترضة، ومن المحقق أن بعضهم التجأ إلى سبتة  الكاثوليكية.

وهكذا في الثلث الأول من القرن الثامن عشر، أصبح سكان المدينة يعرفون زيادة هامة في العدد وتباينا في الأصل، فعلاوة على “الأندلسيين” الذين تنعتهم المؤلفات الأوربية بـ “الموريين” (Maures)، هناك الموريسكيون الذين يعتبرهم الراحلون الأجانب عامة “ظرفا وتحضرين ولطافا مع المسيحيين”، ثم الريفيون المتمدنون الذين قاموا بالأعمال الثانوية في المدينة، وأخيرا اليهود، وكان هؤلاء كثيرين، ويبدو أنهم كانوا من أصل أندلسي في غالبيتهم. وحسب وثيقة يهودية ترجع إلى 1610-1613، وتعتمد على سجلات الضرائب، فإن اليهود كانوا يمثلون عشر سكان المدينة، وتوجد في أيامنا هذه عدة عائلات تطوانية يمكن إثبات أصلها الإسباني والكاثوليكي انطلاقا من أسمائها كلوقش (Lucas)، وغرسية (Garcia)، [انقرضت]، وموراريش (Morales)، وراغون (Aragon)؛ أو انطلاقا من وجود حرف (P) فيها، وهو حرف غير مستعمل في لغة الضاد، كاسمي البروبي (Probi). وتذكرنا أسماء العائلات اليهودية أيضا بأسلافها الموريسكيين أو المتنصرين كطوليدانو (Toledano)، وباريينطي (Pariente)، وبنطوا (Pinto)، ومورينو (Moreno)، ولاريدو (Laredo)، إلخ.

ولما وصل هؤلاء الموريسكيون إلى المغرب، كانت البلاد مقسمة نتيجة الحروب الأهلية وما عرفته من صراعات اقتتل فيها الإخوة في أواخر الدولة السعدية. وأدى هذا الصراع إلى فراغ سياسي وقانوني في الشمال. وبرزت خلال انحطاط الدولة السعدية قوى أخرى نذكر منها على الخصوص الزاويا. وكان نفوذ زاوية الدلاء يشمل الأطلس المتوسط والشمال المغربي، ووصل تأثيرها، الثقافي خاصة، إلى تطوان. وفي هذا الجو الذي طغت عليه الصراعات والانشقاقات، كان تواي عائلة النقسس الحكم أمرا طبيعيا. وكانت سيطرتها كسيطرة العياشي في سلا أو غيلان في الهبط، تشكل حلقة في ذلك الحزام الأمني الذي كانت القوى الحية في البلاد تقاوم به الاحتلال الإيبيري في غياب سلطة مركزية قوية وموحدة.

وتمثل عائلة النقسيس نموذج حكومة المدينة الدولة المستقلة. ولا يمكننا القول بقيام هذه العائلة في بدايتها بتمرد ضد السلطة المركزية المتلاشية، فمحمد النقسيس الذي كان يتلقى العلم بتطوان، ظهر على مسرح الأحداث لما طلب العون من قريبه المقدم أحمد بن عيسى النقسيس – الذي اشتهر بهجماته على سبتة في 1588 – على القبائل المجاورة، وخاصة منها قبيلة وادراس. ولقد مكنه انتصاره من السيطرة على تطوان من 1597 حتى وفاته 1610. وفي الميدان السياسي تمكن أل النقسيس من الاحتفاظ بسلطتهم على المدينة ونواحيها إلى غاية بداية حكم المولى اسماعيل في 1672. ولقد تولى من بعد محمد النقسيس، ابن عمه المقدم أبو العباس أحمد بن عيسى النقسيس (1610-1622)، ثم ابن هذا الأخير عيسى بن أحمد (1640-1653)، وأخيه عبد الكريم بن عيسى من بعده (1653-1659)، فأحمد بن عبد الكريم (1659-1660)، ثم أحمد بن عيسى (1672-1660) الذي قبض عليه السلطان المولى رشيد. وبين 1667 و 1672 أدت الاضطرابات التي عرفها شمال المغرب من جهة، وهجوم السلطانين (الرشيد وإسماعيل) من جهة ثانية إلى طرد آل النقسيس الأخيرين من الحكم.

ولقد عرف تاريخ تطوان هيمنة هذه العائلات على أحداث القرن السابع عشر الذي يقترن في تاريخ المدينة، بترفه ونكباته، بمصير آل النقسيس. ويعتبر طول مدة حكم هذه العائلة مثلا واضحا يثبت مدى أصالة المدينة من الناحية السياسية، كما يمثل حكمهم هذا نموذجا لسيادة جهوية تختلف عن تلك التي أسسها المنظري. وتتجلى سمات هذه السياسة في ثلاثة ميادين: الذود عن البلاد ومقاومة المسيحي، ونمو المدينة الاقتصادي وما نتج عنه من ازدهار فن العمارة في المدينة وتطورها الحضري.

ويبدو آل النقسيس أولا كأبطال الحرب “الوطنية”. فلقد حاصروا سبتة، وهاجموا في البحر السفن الكبرى الأوربية بفضل طواعية وسرعة جواريهم الصغيرة. ومالبث قراصنتهم أن أرعبوا الأوروبيين، وكانوا يتخلصون من مطارديهم بتواريهم في مياه نهر مرتيل. والمدينة محمية  ببعدها النسبي عن البحر، وهي محمية أيضا بموضعها وبتحصيناتها. وكانت القرصنة نشاطا حربيا ومقدسا (في رأي مزاوليها)، وهي كذلك مصدرا للربح، وتنظم العلاقات التجارية أكثر مما تعرقلها.

العنوان: تطوان الحاضرة الأندلسية المغربية

المؤلفين: جون لوي مييج/امحمد بن عبود/نادية الرزيني

منشورات جمعية تطاون أسمير

(بريس تطوان)

يتبع…


شاهد أيضا