تطوان.. الشيخ سيدي عرفة الحراق - بريس تطوان - أخبار تطوان

تطوان.. الشيخ سيدي عرفة الحراق

بريس تطوان

وحينما توفي الشيخ إدريس الحراق سنة 1934 أخذ مشيخة الزاوية الحراقية ولده سيدي عرفة الحراق المزداد سنة 1908 بتطوان وقد امتاز عهده بنشاط كبير في الميدان الموسيقي، وصارت الزاوية الوحيدة في المدينة التي تغطي حركة الإنشاد والسماع الصوفي على الأنغام الموسيقية الأندلسية، وعرفت تجديدا كبيرا، من خلال المنافسة على الابتكار في الأوزان والطبوع، وصارت الزاوية تستقبل عددا من المتهمين بأمر الموسيقى، ومن المولعين بها، فتولد عن هذا الشعور حركة واسعة امتدت جذورها إلى البوادي القريبة من تطوان، ناهيك عن الحضور المكثف كل يوم جمعة للمساهمة في الفضاء الموسيقي الصوفي والغنائي الكبيرين، وكان التراث الشعري والزجلي للشيخ الأكبر سيدي محمد الحراق عاملا قويا في الدفع بهذا الفن إلى مصاف العلا والرقي، بفضل التواصل بين رواد الموسيقى الأندلسية على عهد إدريس الحراق أمثال التهامي الوزاني، وعبد السلام غيلان، ومحمد ابن الآبار، وويدان، ونجوم الأصوات التي بدأت في الارتفاع تغطي سماء تطوان حسنا وجمالا، ورقة وإحساسا، واستفادت منها المساجد التطوانية في الأذان، وصلاة التراويح، وتجويد القرآن الكريم، وفي المواسم الدينية والوطنية.

وجميع الباحثين المهتمين بالموسيقى الأندلسية عامة والصوفية خاصة كتبوا عن الزاوية الحراقية مغربا ومشرقا، وخصصوا لها دراسات قيمة واسعة، وحللوا دورها الريادي في المحافظة على الموسيقى المغربية الأندلسية وتجديدها وتطويرها، وفي هذا المعنى يقول الباحث عبد العزيز بن عبد الجليل في كتابه القيم “مدخل إلى الموسيقى المغربية”.

“ومجمل القول – فلقد كانت مدرسة تطوان – وما تزال – سباقة إلى إدخال أساليب التجديد سواء في مجال الأداء الصوتي، أو الآلي. وبان الزاوية الحراقية عملها كمركز لتعليم الموسيقى الأندلسية على يد الشيخ إدريس الحراق في أوائل القرن الرابع عشر، وقد قامت على أسس فنية متينة، فكانت بحق مدرسة موسيقية مكتملة الخصائص والسمات. تخرج منها أرباب الصناعة الموسيقية الذين زخرت بهم تطوان”.

وإلى جانب الاهتمام الذي أولته بعض الدراسات الاستشراقية، خاصة من طرف الفنانين والباحثين الاسبانيين الذين أعجبوا بدور الزاوية الحراقية في المجال الموسيقي الأندلسي الصوفي، اعتبروا أن بناء الزاوية الحراقية هو من المجال العمراني الهندسي شبيه بالمآثر الأندلسية باسبانيا، خاصة بغرناطة وقرطبة، وأيضا للمكانة العميقة لبعض الأعلام الأندلسيين الكبار الذين دفنوا بها، فانبرى منهم من اهتم بالجانب الأثري لها، ونتذكر بكل إعجاب اللوحة العظيمة للفنان الاسباني “ماريانو برتوشي” الذي رسمها عن واجهة الزاوية الحراقية/ حتى صارت بمثابة سفير للمغرب عامة وتطوان خاصة بما لقيته من إعجاب كبير لدى فناني العالم، ناهيك عن اهتمام الشعب التطواني خاصة والمغربي عامة كمرسم ديني تعالج مكانته التاريخية أقلام الفنانين العظام أمثال “برتوشي”. ونتذكر أيضا الدراسة الفتوغرافية لزوايا تطوان التي أنجزها الدكتور فرناندو بلدراما مرطينس، ونشرها بمجلة “تمودة” هادفا بذلك نشر دراسة متتابعة لزوايا تطوان، والزاوية الحراقية تتصدرها، حيث تعد مركزا لنشاط الطريقة الدرقاوية، وحظيت بالدرجة الأولى من اهتماماته لموقعها وتاريخها من جهة، ومن جهة أخرى ناحية الكتابات المنقوشة على باب الزاوية وفوق محرابيها، أو التي نقشت على الرخام فوق القبور، حيث جمع الكاتب عشر صور اعتبرها ضمت التراث التاريخي الديني لهذه الزاوية، وسنتحدث عن هذه المآثر للزاوية الحراقية عند حديثنا عن “فن الملحون” بتطوان ودور الوزايا في إشعاعه/ وهو الجزء الثاني من هذه الدراسة الموسيقية، ومازالت الزاوية الحراقية إلى يومنا هذا قطبا إشعاعيا كبيرا في سماء الأمداح الصوفية المغربية، ومازال الإقبال عليها كبيرا ليس بتطوان فحسب، بل في كثير من المدن المغربية كفاس، والرباط، ووجدة، والدار البيضاء، وطنجة، وفي بعض القبائل المغربية الأخرى، إضافة إلى قبائل الشمال، ويسهر اليوم على تسيير شؤونها الشيخ المربي سيدي الغالي الحراق، وناظرها الحازم سيدي مصطفى الحراق، وأصبحت مواسمها السنوية في ليلة المولد النبوي وليلة عاشوراء وليلة النصف من شعبان من المواسم الدينية الذي تؤمه من كل أنحاء المغرب أفواج المنشدين والمسمعين، ورجال الذكر، ليشنفوا أسماعهم بفضاءات واسعة من نسيم الأمداح النبوية الزاهرة، ومن استذكار واستحضار المقام الأعلى للنبي عليه الصلاة والسلام في ذكرى مولده الشريف.

وعلى غرار أجداده أسس سيدي عرفة الحراق زوايا متعددة بشمال المغرب، ومنها الزاوية الحراقية بمدينة سبتة المحتلة والتي تعد مركزا دينيا وإشعاعيا كبيرا، وترمز إلى الحبل المتين الذي يشد أبناء سبتة بإخوانهم في كل شبر من أرض المغرب، وتقوم هذه الزاوية بإحياء عدة مواسم كبرى بحسب المواسم التي تقام بالمغرب.

وتوفي الشيخ سيدي عرفة الحراق سنة 1981 عن سن تناهز 73 سنة.

عن “الأجواء الموسيقية بتطوان وأعلامها”

لمؤلفه محمد الحبيب الخراز

(بريس تطوان)

يتبع…


شاهد أيضا