تطوان الحاضرة الأندلسية المغربية... سكان من أصول مختلفة (1) - بريس تطوان - أخبار تطوان

تطوان الحاضرة الأندلسية المغربية… سكان من أصول مختلفة (1)

بريس تطوان

كانت المدينة آنذاك آهلة بحوالب عشرين إلى خمس وعشرين ألف نسمة من أصول مختلفة، وكانت خاصيات سكان المدينة تجمع بين عناصرها البشرية المتباينة، وأحيانا تعارضت هذه العناصر البشرية من خلال تلك الخاصيات.

ولقد شكلت الجماعة الأندلسية المدجنة الأولية، والتي انضاف إليها الموريسكيون فيما بعد، الأقلية الحاكمة في المدينة؛ وهي بورجوازية ثرية ومثقفة وراقية ظلت اللغة الإسبانية معروفة لديها في الغالب، وكان للتجار الفاسيين منشأتهم التجارية وممثلهم في تطوان التي كانت تعتبر المرفأ الرئيسي لحاضرتهم. ولقد عارضت القبائل المجاورة التطوانيين ومكنتهم في نفس الوقت من جلادتها واخشيشانها، وشكلت هذه القبائل تهديدا خارجيا أدى إلى تلاحم العناصر الحضرية التي كانت تربطها نفس المصالح والتي تحصنت وراء أسوار تصبت للاتقاء بها من الأرياف أكثر من العدو الأجنبي، وأمدت هذه القبائل المدينة أيضا بيد عاملة كدودة، وأحيانا بعناصر ميليشيا تستبسل في القتال، وبطواقم ومحاربي سفن الغلائط القرصانية في الغالب كرها أكثر منه طوعا.

وتطرح علاقات المدينة بالقبائل المجاورة إشكالا للمؤرخين كما طرحت مشاكل للتطوانيين في الماضي، ولقد وجدت فكرة العلاقة الثنائية بالتأكيد منذ إعادة بناء المدينة، ومازالت سائدة اليوم، لاسيما وأن الطوانيين يعتبرون أنفسهم ويعتقدون أنهم يختلفون عن جبالة والريفيين، إلا أنه إذا كانت هذه الفكرة مقبولة فيما يخص العقود الأولى من حياة المدينة، فإنها لا تنطبق تماما على القرن السابع عشر، ولا يمكن التسليم بها بالنسبة للقرون اللاحقة.

وإن بقاء تطوان ونموها لم يكن ليتحقق لولا التعايش وبعض التقارب بين العناصر الأندلسية والقبائل المجاورة، ولقد أبرز عبد العزيز السعود في رسالته (تطوان خلال القرن التاسع عشر) تعايش مختلف العناصر المعمرة للمدينة. ولم يكن وجود السكان القادمين من الأرياف إلى المدينة وجودا جسدانيا محضا، بل ساهم وجودهم في المدينة في إغناء الميدان الثقافي. وهكذا فإن أغلب العلماء التطوانيين في القرن السابع عشر الذين ذكرهم محمد داود كانوا جبليين، ولقد قال العالم التطواني محمد المرير، وهو من أصل هبطي، من أهمية دور الأندلسيين في إردهار الثقافة في تطوان تقليلا يكاد يكون إنكارا.وبإستثناء عمر لوقش في القرن الثامن عشر، فإن أغلب الأسماء التطوانية اللمعة كانت من أصل محلي، والفرضيتان اللتان يتعارض من خلالهما  المؤرخون الأندلسيو الأصل والمؤرخون المحليون ليستا متناقضتين كما قد يبدو ذلك، فعلاقات المدينة مع القبائل كان قد يسرها التأثير الأندلسي الذي شمل البوادي، وهكذا احتفظت قبائل أنجره بتقاليد إيبيرية بقيت على حالها إلى أيامنا هذه وفي الواقع فإن التكامل الاجتماعي الاقتصادي بين المدينة التي كانت بحاجة إلى المواد الغذائية وإلى المواد الخام لصناعتها اليدوية، والعالم القروي الذي كان بدوره بحاجة إلى صناعة المدينة وتجارتها، هذا التكامل خلق علاقات ضرورية وثيقة، ولو أنها كانت في الغالب مثار نزاع.

وهناك تكامل ماثل للتكامل السالف الذكر، ومشاركة في الميدان التجاري أديا، بعض الشيء، إلى دمج الجالية اليهودية الكثيرة العدد في المدينة. فلقد كانت تطوان تدعى أيضا “القدس الصغرى”، وبلغ عدد يهودها بين نهاية القرن السابع عشر ومطلع القرن العشرين ألفين وخمسمائة أو ثلاثة آلاف يهودي، وهو ما يمثل عشر أو ما ينيف قليلا عن عشر عدد سكان المدينة الإجمالي، وهي جماعة أصيلة قامت بدور يستحق الاهتمام، ولقد شكل التعايش الديني عنصرا جوهريا في تاريخ تطوان الاجتماعي، كما كان هذا الوفاق من مقومات تاريخ الأندلس ويشكل اليهود جزءا من المجتمع التطواني، وهم ليسوا أقل نشاطا من الموريسكيين ولا أقل تشبعا منهم بالثقافة الإسبانية، ولليهود حيهم حيث ينظمون حياتهم الخاصة الدينية والاجتماعية، وهم يساهمون بفعالية في حياة المدينة الاقتصادية والتجارية على وجه الخصوص.

وكانت الطائفة اليهودية في تطوان تضم اليهود الذين هاجروا من الأندلس وأولئك الذين قدموا من جهات المغرب الأخرى، ومن بين هؤلاء نجد عائلات ليفي (Lévy)، وأبيطبول (Abitbol)، والسرفاتي (Sarfaty)،  وكانوا ينعتون باسم “طوشابيم” أو “الأجانب”، بينما نعت الفرديون بـ “ميشوراشيم”، أو “أجانب العالم العربي الإسلامي”، ولقد أجمع المؤرخون على اندماجهم في الحياة التطوانية، وتتجلى مساهمتهم الاقتصادية في كل الميادين، في الصناعة اليدوية والتجارة العامة وافتداء الأسرى والاستثمارات في أنشطة القرصنة، وكانت مساهمتهم جازمة بصفة خاصة في التجارة الكبرى الدولية، فلقد كانوا على اتصال بأقربائهم أو إخوتهم في الدين السفرديين الذين هاجروا إلى لفرنة ولشبونة أو أمستردام. كما كانت شبكة الجالية اليهودية في الخارج تقوم بدور الوسيط بينهم وبين الجماعات اليهودية الأخرى التي كانت ذات شأن في الجزائر وفي تونس حيث كان شأنها أعظم، بل وحتى جماعات اليهود في الشرق الأدنى أو تلك التي كانت تعيش على أبواب الصحراء.

العنوان: تطوان الحاضرة الأندلسية المغربية

المؤلفين: جون لوي مييج/امحمد بن عبود/نادية الرزيني

منشورات جمعية تطاون أسمير

(بريس تطوان)

يتبع…

 


شاهد أيضا