تطوان... التحصينات والقصور ما بين (1780- 1860) - بريس تطوان - أخبار تطوان

تطوان… التحصينات والقصور ما بين (1780- 1860)

بريس تطوان

لقد تعددت أوصاف المدينة في تلك السنوات التي انفتح فيها المغرب للمشاريع التجارية الأوربية، وأدت الطموحات والعمليات العسكرية الفرنسية والإنجليزية والإسبانية إلى توالي الإستكشافات ووضع التصاميم، ويمكننا ازدهار الخرائطة والرسوم والصور الشمسية خلال الحرب الإسبانية المغربية (1859 – 1860) واحتلال المدينة (1860- 1862)، بالنسبة لمنتصف القرن، من مرجع هام لمقارنة حاضرة تلك الأعوام والمدينة الحالية، كما يمكننا هذا المرجع من العثور في هذه المشاهد التي ترجع إلى منتصف القرن التاسع عشر، على صور الأبنية الأثرية التي عقت فيما بعد.

وكانت تطوان تشتمل منذ عهد قريب على العديد من الرياض داخل أسوارها وهو عدد يفوق بكثير عدد روضها حاليا، ولقد أشرنا سابقا إلأى هذه الوفرة، وإلى تلك العلاقة بين المبني والمغروس، وقصور المدينة ودور الأرياف؛ وهي سمة ميزت الحاضرة عبر القرون وإلى غاية الانفجار العمراني. ولقد حوفظ على بعض الرياض الواقعة داخل الأسوار في أطراف المدينة، لكن أغلب هذه الروض بنيت، وخاصة تلك الواقعة بين باب العقلة وباب الجياف، وبين الجنوي والحافة، أما الحيز الذي ترك فارغا في حي العيون، بين باب النوادر وباب التوت، فإنه كان يستعمل عادة لإيواء ألوية الجيش الخفيفة. ولقد ظل حي الطلعة، وهو مسطح مائل تشرف عليه القصبة، شاغرا بدوره إلى غاية نهاية القرن التاسع عشر.

ويطرح تقسيم مجال المدينة القديم إشكالا، فهذا المجال كان مقسما بين مناطق كثيفة البناء وأخرى مخصصة للرياض، فهل كان هذا التنظيم مرتبطا بتهديدات القبائل المجاورة؟ بحيث تكون أجزاء المدينة المعرضة أكثر للأخطار الخارجية قد هجرت في صالح الدور المحمية أحسن بالأسوار في الأحياء ذات الكثافة السكانية المرتفعة.

وكانت الأسوار قد رممت بأمر من السلطان مولاي سليمان، ذلك الباني الكبير الذي كان يولي اهتماما للمدينة التي تدين له بعدة مباني، ثم شيدت بعد ذلك تحصينات جديدة بأمر من مولاي عبد الرحمن، فهو الذي أمر أشعاش ببناء باب العقلة والحصن (1830) حيث يوجد المتحف الإثنوغرافي الحالي. وخلال حكم الحاج أحمد الحداد (1851 – 1859)،  ثم بناء حصن آخر، وهو البرج الجديد الواقع بين باب المقابر والقصبة، كما بنيت كذلك ثكنات جديدة وأربع قناطر حول تطوان، واحدة منها ما زالت قائمة إلى اليوم، ولقد قلدت هذه المباني العسكرية الطرز المعمارية القديمة، ويعتبر هذا البناء على نمط الطرز القديمة سمة تميز معظم التحصينات المغربية التي ترجع إلى الفترة المدروسة.

وكان الحيز القديم الواقع جنوب مشور أحمد الريفي وفي موضع فدان لوقش، والذي استعمل كمذبح (الكورنة) وسوق وساحة للاستعرض ولألعاب الفروسية، وإن انتقض حجمه بسبب المباني الإسبانية (القنصلية والبعثة الفرانسيسكانية بعد 1860 ومقر الإقامة العامة الإسبانية بعد 1913)، قد احتفظ ببعض أنشطته التي ترجع إلى عهد قديم. فلقد ظل هذا الحيز موضعا للأسواق الأسبوعية التي تعرض فيها منتجات الأرياف، وغرب الفدان بنيت في بداية القرن التاسع عشر عدة فنادق وسوق للحبوب.

وظل حي المصلى القديمة بدوره خاليا من البناء إلى غاية نهاية القرن التاسع عشر، ويدل إسم هذا الحي على أنه كان المجال الخالي في المدينة والمستعمل لصلاة يوم العيد. وكان هذا الحي من بين الأحياء الأولى التي بنيت فيها مساكن القادمين الأوربيين الجدد، وهو يحد بالملاح أو حي اليهود، وكان بناء الملاح الجديد والجامع الكبير – وقد تكون بين بناءيهما علاقة – من بين الأعمال الهندسية العظيمة التي خلفها مولاي سليمان.

وبعد تخريب جند مولاي يزيد لحي اليهود الأصلي في حومة البلد سنة 1790، أمر مولاي سليمان ببناء حي جديد لليهود في الحقول والبساتين الواقعة جنوب جنة الفدان، ويكشف نص الظهير الذي وصلنا والذي أنشيء بمقتضاه هذا الحي، عن روح وكيفية تأسيسه.

“الحمد لله وحده؛

نسخة كتاب شريف من السلطان مولاي سليمان نصه:

الحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وأله وصحبه وسلم تسليما إلى خديمنا الأرضي القائد الحاج عبد الحمن بن عبد القادر أشعاش أعانكم الله والسلام عليكم ورحمة الله، وبعد فموجبه إعلامكم أننا بهذا الظهير قد عينا الملك المعروف بالرياض من تطوان، والذي هو من أملاك المخزن بجميع حدوده، ومنحناه ليهود تطوان ليقيموا فيه الملاح ويبنوا فيه دورهم وحوانيتهم، وعلى كل من يملك دارا في البلد منهم، أن يبيعها للمسلمين ويبني بثمنها دارا أخرى في المكان المعين سابقا.

فنأمركم بتنفيذ ذلك دون زيادة ولانقصان، ومن خالف تنفيذ أمرنا فعاقبوه أشد العقاب، كما نأمركم أن تجمعوا جميع علماء تطوان ليشهدوا بأننا قد أنبناكم لتعيين المحل الذي يخصص لإقامة ملاح اليهود، وليعلموا أن هذا الأمر إنما هو لصالح الجميع. واجمعوا البناءين ليعينوا لكل يهودي مساحة الأرض التي تنوبه لبناء داره، في فاتح جمادى الأولى عام 1222″

***

“الحمد لله وحده؛

لما منح سيدنا أيده الله يهود تطوان الملك المسمى بالروض لبناء ملاحهم، وأصدر بذلك أمره بالظهير المنصوص أعلاه، وملكهم ذلك المكان، وأمر خديمه الأرضي القائد السيد الحاج عبد الحمن أشعاش بتبليغهم هذا الأمر، جمع العلماء وقريء  عليهم الظهير السلطاني أمام دار القائد، وأعلم أيضا من بين اليهود الحزانين، ميناحيم ناهون، وميسيس ليفي، وخوداس أبو درهم، وبيدال اسرايل، وخاكوب بن سعدون، واليهود، سلمون قرياط، وخوداس بن زكين، وميسيس طاوريل وميمون دي هرون بن شتريت، وميسيس اسرايل وموشيطو أبو درهم، وميسيس خلفون، وسالومون سرفاطي، وغيرهم، وأحيطوا علما بما تضمنه الظهير السلطاني، فوعدوا بامتثال ذال وتنفيذه في أقرب وقت ممكن، وبعد ذلك انتقل الباشا وجميع المذكورين إلى المكان المذكور، وطافوا به من جميع الجهات، ووقع توزيع الأراضي على اليهود لبناء دورهم وحوانتيهم وحثوا على القيام بذلك عاجلا دون تهاون، فوعدوا بالامتثال، وتنفيذا لذلك وزعوا الأرض فيما بينهم بالعدل دون إضرار بحق الغير، وكان التوزيع بمحضر الباشا، ووقع الشروع في حفر الأسس وابتدأ العمل في البناء ونفذ أمر السلطان في ضمن الأجل المحدد في الظهير، وحرر هذا في فاتح شهر المحرم عام 1225″.

واشتريت الأراضي من آل العطار والرزيني وغرسية واللبادي ومدينة، وهي العائلات الأندلسية التي كانت تشكل أوليغارشية سادة الأعيان، وكان الحي المذكور الذي شرع في بنائه في غشت 1807، وفرغ منه فيما يبدو سنة 1809، يمتد على خمس مساحة المدينة، وهذا ما يدل بما فيه الكفاية على أهمية عدد السكان اليهود الذي إذا أخذنا بعين الاعتبار اكتظاظ الملاح السريع بالسكان، كان يمثل حوالي ربع عدد السكان الإجمالي الذي كان يبلغ حوالي ستة آلاف يهودي الذي تؤكده معظم المصادر ثابتا تقريبا، ولن يرتفع إلا قليلا خلال القرن التاسع عشر، ولقد كانت هجرة هؤلاء اليهود نحو الجزائر وأمريكا اللاتنية والموانئ  الأطلسية المغربية تعوض بوصول يهود داخل المغرب باستمرار.

ويروى في التاريخ الأخباري أن الحي الجديد بني بمساعدة مهندس معماري برتغالي ويبدو التأثير الأوربي جليا في تصميمه التربيعي ذي الزاويا القائمة، وبالرغم من أن معظم دور الحي تشتمل على أفنية داخلية، وأن تلك التي بنيت في البداية لم تكن تختلف عن نظائرها المسلمة، فإن الطالبع الأوربي أصبح ظاهرا أكثر فأكثر في ملاح القرن التاسع عشر، وتبرز هذا التأثير بعض المميزات الأوربية كالنوافذ الخارجية المطلة على الشرف، وأطر الأبواب الكلاسيكية الجديدة، والتنميق بمعجون المرمر، والبلاط المستوحى من بعض الأقاليم الإسبانية، وكانت البيع كثيرة إذ بلغ عددها ست عشرة بيعة في منتصف القرن.

العنوان: تطوان الحاضرة الأندلسية المغربية

المؤلفين: جون لوي مييج/امحمد بن عبود/نادية الرزيني

منشورات جمعية تطاون أسمير

(بريس تطوان)

يتبع


شاهد أيضا