لم تعد تطوان مركز جذب للاستثمار”، كانت هذه الخلاصة التي انتهى إليها أحد أبناء تطوان المطلعين على أحوالها والمتتبعين لمسار التحولات التي طرأت عليها، والتي كان عنوانها الأبرز هو “الأزمة”.. أزمة في الرواج الاقتصادي والتجاري الذي غدا موسميا، وأزمة في الوعاء العقاري المستقطب لرؤوس أموال المنعشين، وأزمة في المساطر الإدارية التي يلخصها بعض المتضررين في التعقيدات التي يصطدم بها بعض المستثمرين، لتكون النتيجة “هجرة لرؤوس الأموال” الباحثة عن أسواق أكبر وبيئات استثمارية أفضل.. في “الربورتاج” التالي محاولة لاستجلاء بعض أسباب أزمة تطوان الاقتصادية.
شهدت تطوان خلال السنوات الأخيرة تراجعاً ملحوظا في حركة الاستثمار العقاري، وهو ما انعكس على نشاط السوق العقاري في المدينة بشكل كبير. وفي المقابل، استمر الاستثمار العقاري في طنجة في التطور والنمو، ما جعلها الوجهة المفضلة للمنعشين والمقاولين في شمال المغرب.
تراجع في الرواج
لعل المتتبع لمسار الدينامية التي عرفتها تطوان خلال العقود الماضية، وما شهدته المدينة من توسع عمراني تمخض عنه إنشاء تجمعات سكنية حديثة بعمارات تعددت طوابقها وتكاثرت شققها، يدرك أن هذه المدينة تعيش خلال السنوات الأربع الأخيرة تراجع ذروتها العمرانية والاقتصادية.
وفي هذا السياق يجمع الكثير ممن استطلعت جريدة “الصباح” آراءهم، على اعتبار أن هذا الأمر “يرتبط بتوقف السلع الواردة من مستودعات الثغر السليب، مدينة سبتة المحتلة”، ذلك أن “جميع البدائل المقترحة لتعويض هذه التجارة، التي كانت تصاحبها لدى الحمالة، الكثير من مظاهر المهانة، في وقت كانت تدر فيه عائدات مهمة على المهربين الكبار، لم تكن مجدية”، غير أن “منع تدفق هذه السلع بتزامن مع الأزمة التي خلفتها الجائحة، وكذا تشديد المراقبة على جميع أنواع السلع والبضائع، جعل الرأسمال المرتبط بها يتقلص. كما أدى توقف ولوج السلع بالعديد من المحلات التجارية الصغيرة والمتوسطة التي كانت تعتمد على استيراد السلع من سبتة إلى إغلاق أبوابها، ذلك أن إغلاق المعبر في وجه هذه السلع أثر في قدرتها على تلبية احتياجات السوق المحلي من هذه العينة من البضائع، ما أدى إلى تقليص الأنشطة التجارية بل وتوقف البعض منها. ولأن العديد من الأشخاص في الفنيدق، المضيق وحتى تطوان كانوا يرتبطون بهذه التجارة الحدودية أو في الأنشطة المساندة لها ويعتمدون على عائداتها.
ومع توقف العمل في المعبر، تضررت مصادر رزق العديد من الأسر، ما أدى إلى زيادة البطالة في هذه المناطق. وترتبط تطوان في كثير من الأذهان بالصيف والساحل، رغم أنها واحدة من المدن ذات الطابع التاريخي والثقافي العريق في الشمال، إذ باتت اليوم “تشهد أزمة عقارية تؤثر على حياة الكثير من المستثمرين”، و”تنذر بمستقبل غير واضح في ما يتعلق بالقطاع العقاري” كما وصف هذا الوضع أحد المستثمرين الذي اختار الرحيل بحثا عن آفاق أرحب في مدن كبرى لتوظيف أمواله.
ويؤكد عدد ممن التقتهم جريدة “الصباح” أن هذه الأزمة “ليست محصورة فقط في ارتفاع الأسعار، بل تتجاوز ذلك لتشمل مشكلات قانونية، وغياب التوازن بين العرض والطلب، وتفاقم صعوبة الحصول على سكن ملائم”.
ارتفاع الأسعار
من أبرز مظاهر الأزمة العقارية في تطوان هو الارتفاع الكبير في أسعار العقارات. فقد شهدت السنوات الأخيرة زيادة ملحوظة في أسعار الأراضي والمساكن، نتيجة ما وصفه البعض بـ “تقلص الوعاء العقاري”.
هذا الأمر جعل الوصول إلى سكن ملائم أمرًا صعب المنال على شريحة واسعة من المواطنين. يقول هشام، وهو شاب في الثلاثينات من عمره، وكان حلمه الحصول على شقة في تطوان”منذ خمس سنوات كان بالإمكان شراء شقة في وسط المدينة بمبلغ معقول، أما الآن، فقد أصبحت الأسعار في متناول عينة فقط”، مضيفا أنه “اضطر للبحث عن غايته خارج المدينة”.
تحديات إدارية
إلى جانب الارتفاع في الأسعار، يواجه العديد من المستثمرين والمواطنين مشاكل قانونية وإدارية مع الحصول على تراخيص البناء أو التسجيل العقاري، إذ أن وجود تضارب في بعض القوانين الخاصة بالعقار وعدم وجود آليات واضحة وفعالة لتسهيل الإجراءات يعيق حركة السوق العقاري في تطوان.
من جهة أخرى، يلاحظ البعض أن “التوسع العمراني في بعض المناطق يتطلب تطوير خطة عمرانية شاملة تأخذ بعين الاعتبار النمو السكاني المتزايد في تطوان، وهو ما غاب عن بعض المشاريع السابقة التي تسببت في اكتظاظ في بعض الأحياء”.
حلول مقترحة
يرى بعض المنعشين العقاريين أن إيجاد حلول للأزمة العقارية في تطوان يتطلب تضافر الجهود بين مختلف الأطراف المعنية، سواء كانت السلطات أو القطاع الخاص. ويتطلب الأمر إستراتيجيات تضمن توازنا بين العرض والطلب وتوفر سكنا مناسبا لجميع الفئات. كما أكد جميع من اختاروا الحديث لـ “الصباح” حول هذا الموضوع أن “السلطات، سواء المنتخبة أو الإدارية، مطالبة بأن تعمل على تسريع وتيرة إصدار تراخيص البناء، وتطوير مشاريع سكنية موجهة للفئات المتوسطة والدنيا، بالإضافة إلى تحسين البنية التحتية وتعزيز التخطيط العمراني”، مشيرين إلى أن “تشجيع الاستثمار العقاري يمكن أن يسهم في إيجاد حلول بديلة للتخفيف من الأزمة”.
ورغم كل ما يقال فإن “أزمة العقار في تطوان تبقى معقدة وتحتاج إلى حلول جذرية وشاملة لمواجهة التحديات التي تعيشها المدينة”.
طنجة… وجهة المنعشين والمقاولين
نتيجة لهذه الظروف التي باتت تخنق الاستثمار بتطوان، اختار العديد من المنعشين العقاريين والمقاولين الهجرة من تطوان إلى طنجة، بحثا عن فرص أكبر وأكثر استقرارا في القطاع العقاري. وهناك عدة عوامل أسهمت في هذا القرار، ومنها الفرص الاستثمارية الأكبر، فمدينة طنجة، بفضل مشاريعها الضخمة والبنية التحتية المتطورة، صارت تقدم فرصا استثمارية أكبر مقارنة بتطوان.
ولأن المنعشين العقاريين والمقاولين يبحثون دائما عن المدن التي توفر سوقا نشيطة وفرصا للتوسع، فإن ذلك ما غدت طنجة توفره خلال السنوات الأخيرة، ومن أجل هذا أصبحت طنجة وجهة مفضلة.
مع النمو السكاني المتسارع في طنجة، تزايد الطلب على جميع أنواع العقارات، ما حفز المقاولين والمنعشين على التوجه إليها لاستثمار أموالهم في مشاريع جديدة تضمن لهم عوائد معقولة. ويأتي ضمن دواعي استقطاب طنجة للمستثمرين ما يصفونه بـ “التسهيلات والمحفزات”، ذلك أنه في إطار سياسة الحكومة لتنمية المنطقة الشمالية، تم تقديم العديد من الحوافز والامتيازات للمستثمرين في طنجة. هذه المحفزات تشمل تسهيلات في الحصول على تراخيص البناء، وتوفير أراض صناعية وتجارية بأسعار مناسبة، ما جعل طنجة أكثر جذبا للمستثمرين مقارنة بتطوان.
ونتيجة لذلك فإن التغيرات التي همت حركة الاستثمار العقاري بين تطوان وطنجة، انعكست على العديد من الجوانب الاقتصادية والاجتماعية. ففي تطوان، أدى تراجع النشاط العقاري إلى انخفاض في الإيرادات المحلية وضعف النشاط التجاري، بينما شهدت طنجة انتعاشا اقتصاديا واضحا بفضل استثمارات جديدة في البنية التحتية والمشاريع العقارية الكبيرة. ورغم ذلك، لا تزال تطوان تتمتع بموقع جغرافي إستراتيجي، فيكفي أن تشملها إصلاحات في البنية التحتية وتمتيعها بالتحفيزات الإضافية لتستعيد جاذبيتها للاستثمار العقاري في السنوات المقبلة.
السوق السوداء
يرى بعض الراصدين لأزمة هذا القطاع، أن “زيادة الطلب على العقار في تطوان أصبحت تثير نوعًا من الاحتكار في السوق، إذ يعمد بعض المضاربين العقاريين إلى شراء الأراضي والمساكن والاحتفاظ بها دون استغلالها، للاستفادة من ارتفاع أسعارها بشكل غير مبرر”.
هذا ما أشار إليه عبد السلام، وهو أحد الوسطاء العقاريين المشتغلين في تطوان، الذي قال إن ” العديد من الأراضي تباع بأسعار مبالغ فيها، ثم تتم إعادة بيعها بأسعار أعلى، ما يجعل المشتري النهائي في وضع صعب”.
