مفارقة عجيبة نعيشها في مجتمعنا؛ ففي الوقت الذي ينتظر فيه كثيرون فصل الصيف بشغف ليقضوا أيامهم بين أمواج البحر ونسيم الشاطئ، ينتظره أطفال آخرون لسبب مختلف تمامًا. لا يحملون مناشف السباحة ولا ألعاب الشاطئ، بل يحملون صناديق الحلوى وقوارير الماء، يجوبون الرمال تحت أشعة الشمس الحارقة بحثا عن زبون يمنحهم دراهم قليلة تساعد أسرهم أو تؤمن لهم مستلزمات الدخول المدرسي. في المكان نفسه الذي ترسم فيه ابتسامات العطلة على وجوه الأطفال، تنتزع طفولة آخرين بصمت، وهم يطاردون لقمة العيش بدل أن يطاردوا أمواج البحر.
أطفال كان من المفترض أن يحملوا ألعابهم، فإذا بهم يحملون صناديق الحلوى ويتنقلون بين المصطافين، يبحثون عن زبون يشتري منهم قطعة حلوى أو قارورة ماء. طفولة اغتصبتها قسوة الحياة، فأجبرتها على حمل مسؤوليات أكبر من أعمارها، حتى أصبح هم الطفل ليس اللعب مع أقرانه، بل التفكير في ما سيحمله الغد، وكيف سيعود إلى منزله وقد جمع ما يكفي ليساعد أسرته.
تتجلى قسوة المشهد أكثر عندما ترى نظراتهم وهي تلاحق أطفالا آخرين يمرحون في البحر أو يركضون في حدائق الألعاب. نظرات تختزل أسئلة كثيرة لا تجد جوابًا: لماذا يلعب هؤلاء بينما أعمل أنا؟ ومتى يحين دوري لأعيش طفولتي كما ينبغي؟
استوقفني اليوم مشهد بسيط، لكنه ترك في النفس أثرا عميقا. طفل اشترى من طفل آخر ما يسد به جوعه، وكأنهما يتقاسمان المعاناة نفسها تحت شمس لا ترحم. البائع والمشتري ليسا سوى وجهين لطفولة واحدة أنهكها الفقر، ووجدت نفسها في مواجهة مسؤوليات أكبر من أعمارها.
ذلك المشهد لم يكن مجرد عملية بيع وشراء، بل كان مرآة تعكس واقعا مؤلما. واقعا يجعلنا نتساءل: أين العدالة الاجتماعية التي نتحدث عنها في كل مناسبة، إذا كان أطفال ما زالوا محرومين من أبسط حقوقهم؟ أي عدالة هذه التي تسمح بأن يقضي طفل يومه باحثا عن مشتر، بينما يقضي طفل آخر يومه بين أمواج البحر وألعاب الشاطئ؟ أين حق هؤلاء في اللعب، وفي التعليم، وفي أن يعيشوا طفولتهم بعيدا عن هموم الكبار؟
للأسف، تكفي نظرة واحدة إلى أعينهم لتقرأ فيها جرح السنين، رغم أن أعمارهم لم تتجاوز بضع سنوات. وجوه صغيرة أنهكها التفكير مبكرا، وأعين مثقلة بالهموم تخفي أحلاما مؤجلة، وطفولة تنتظر من يعيد إليها حقها في الضحك واللعب والحلم.
بين ضحكات المصطافين وضجيج الأمواج، تبقى هناك أصوات خافتة لأطفال لا يطلبون الكثير… فقط حقهم في أن يكونوا أطفالًا. لا يطلبون امتيازات، بل حقوقا أقرتها المواثيق والقوانين، وفي مقدمتها الحق في الحماية، والتعليم، واللعب، والعيش بكرامة.
إن طفولة تُستنزف على أرصفة الشوارع ورمال الشواطئ ليست مسؤولية أسرة فقيرة وحدها، بل هي سؤال موجَّه إلى ضمير المجتمع بأكمله: أي مستقبل نبنيه، إذا كنا نعجز اليوم عن حماية طفولة تستحق أن تحلم قبل أن تجبر على مواجهة قسوة الحياة؟
