بنونة يكتب: من يحمي الموروث الثقافي لتطوان ومن يعبث به؟
تستعد مدينة تطوان لاحتضان تظاهرة كبرى ضمن برنامج “عاصمة المتوسط للثقافة والحوار 2026”، وهو حدث يحمل في طياته رهانات ثقافية وتنموية عميقة، لكن تبرز مفارقة صادمة تكاد تعصف بجوهر المشروع من أساسه: كيف يمكن لمدينة بتاريخ عريق أن تُسلَّم ذاكراتها لمن لا يملك حتى الحد الأدنى من الشرعية التدبيرية أو الأخلاقية؟
إن هذا المشروع، الذي يتم بشراكة مع الاتحاد من أجل المتوسط ومؤسسة آنا ليند، لا يتعلق بتنظيم تظاهرات عابرة أو احتفالات مناسباتية، بل هو ورش استراتيجي يروم تثبيت مكانة تطوان كحاضنة للذاكرة المتوسطية، ورافعة للحوار الحضاري، ومنصة لإعادة الاعتبار لموروث غني ومتجذر. كما أن تصنيف المدينة العتيقة ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي منذ سنة 1997، ليس مجرد لقب شرفي، بل التزام أخلاقي وتاريخي يفرض صيانة الذاكرة الجماعية بكل مكوناتها.
غير أن هذا المسار الطموح يصطدم بواقع يثير القلق والاستغراب: إسناد مهمة التنسيق العام لملف بهذه الحساسية لشخص لا يتوفر على صفة تدبيرية واضحة، وتلاحقه سوابق عدلية وعزل من المهام التدبيرية من طرف القضاء الإداري مؤخرا !!
مما يضع أكثر من علامة استفهام حول نزاهته وكفاءته. هنا، لا يتعلق الأمر بخطأ إداري بسيط، بل بمؤشر خطير على استهتار ممنهج بقيمة الذاكرة الجماعية، واستخفاف غير مقبول بتاريخ مدينة شكلت عبر قرون نقطة التقاء الحضارات.
أي منطق هذا الذي يجعل ملفًا بحجم “متحف الذاكرة التطوانية” ورقمنة الأرشيف التاريخي، رهينًا بيد من لا يؤتمن على تدبير الشأن العام؟ وأي رسالة تُوجَّه إلى الفاعلين الثقافيين والباحثين والمبدعين حين يتم تهميش الكفاءات الحقيقية، مقابل تزكية وجوه مثقلة بشبهات الفشل والانحراف؟
إن الأخطر من ذلك، هو أن هذا التعيين لا يمكن قراءته بمعزل عن سياق أوسع، يطرح سؤالا جوهريا ومقلقا:
من يسعى إلى محو الذاكرة الجماعية لتطوان؟ ومن يقف خلف إعادة تدوير وجوه فقدت مصداقيتها، ومنحها صلاحيات واسعة للتحكم في مفاصل ملف استراتيجي بهذا الحجم؟
الذاكرة ليست أرشيفًا جامدًا، بل هي هوية جماعية، ووعي تاريخي، ورصيد رمزي لا يُقدّر بثمن. والعبث بها، أو تسليمها لغير أهلها، هو بمثابة اعتداء مباشر على روح المدينة وحق ساكنتها في صون تاريخها ونقله للأجيال القادمة.
إن المرحلة تقتضي وضوحًا لا لبس فيه، وربطا صارما بين المسؤولية والمحاسبة، وقطع الطريق أمام كل أشكال الريع الثقافي والتدبير المرتجل. كما تفرض إعادة النظر بشكل عاجل في هذا الاختيار غير المفهوم، حمايةً لمصداقية المشروع، وصونًا لكرامة مدينة لا تستحق أن تُختزل في قرارات مرتجلة أو حسابات ضيقة.
مدينة تطوان اليوم أمام مفترق طرق:
إما أن تكرّس موقعها كعاصمة حقيقية للثقافة والحوار، قائمة على الكفاءة والنزاهة، أو أن تنزلق إلى نموذج عبثي يُفرغ المشاريع من مضمونها، ويحوّل الذاكرة إلى ضحية جديدة لسوء التدبير.
والسؤال الذي سيظل معلقًا بإلحاح:
هل نحن أمام مشروع لإحياء الذاكرة… أم أمام عملية منظمة لمحوها !!
والسؤال المحير للأذهان يتمثل في من يحمي الموروث الثقافي ومن يعبث به؟
