بليونش قبل الفتح الإسلامي - بريس تطوان - أخبار تطوان

بليونش قبل الفتح الإسلامي

بريس تطوان

كانت المنطقة موضع استيطان منذ القديم نظرا لوفرة مياهها وغناها بالموارد الطبيعية المختلفة، وقد وجدت بها آثار استيطان ترجع إلى العصر الحجري الجديد أو النيوليثي، الذي عرف فيه الإنسان بعض الممارسات الاجتماعية والاقتصادية بما فيها الميل نحو حياة الاستقرار وصقل الحجارة وممارسة الزراعة وتدجين الحيوانات وصناعة الفخار. وكان للإنسان النيوليثي وجود ملحوظ في كهوف جبل موسى ورأس أشقار. وكانت وقرة المياه والموارد الطبيعية في بليونش عاملا أساسا من عوامل الاستقرار في كهوف جبل موسى.

ومصارد هذه المنطقة قبل الإسلام تعتمد أساسا على نتائج الحفريات الأثرية، وبصورة ثانوية على نصوص المؤرخين اللاتينيين الكلاسيكيين. وثمة دراسات أنجزت من قبل الإسبان اتجهت أساسا إلى تاريخ سبتة قبل الفتح الإسلامي، وهي دراسات غنية ومتباينة المواضيع؛ ترمي إلى توضيح ظروف نشاة المدينة وتاريخها السياسي ما قبل التاريخ إلى نهاية العصر البيزنطي مرورا بالعصر الفينيقي والروماني والوندالي، وتبرز أثر المدينة في المبادلات التجارية في مضيق جبل طارق على ضوء نتائج الحفريات الأركيولوجية أو التنقيبات تحت البحرية، وتبحث في صناعتها وخزفيتها ومسكوكتها النقدية، كما تدقق في أصل تسمية المدينة وطبونيميتها وطبوغرافيتها الكلاسيكية وجغرافيتها التاريخية ومشاكل تزويدها بالماء ونحو ذلك. وقد تعاقب على منطقة سبتة وأحوزاها أمم غابرة من الإغريق والفينيقيين والرومان وغيرهم، وتأهلت بفضل مواردها واختلاف الأمم عليها. ويميل الباحثون إلى اعتبار الإغريق أول شعب وطئ المنطقة معتمدين في ذلك على التراث الأدبي الذي تجسده قصة أديسا الشهيرة، التي يتفق الباحثون على أن أحداثها وقعت في التلال المحيطة بسبتة، كما أنه لا توجد أدلة تاريخية مادية للحديث عن بناء فينيقي لسبتة، في حين تم العثور على نقود قرطاجنية بجبل الميناء.

وتشير بعض الدراسات إلى أن موقع بليونش عرف منذ الفينيقيين، وفي الرحلة البحرية المعزوة إلى سكولاكس Scylax التي دونت في القرن الرابع قبل الميلاد ذكر لمنطقة يجوار جبل أبيلا Abila المعروف حاليا بجبل موسى. وعندما سيطر الرومان على سبتة أقاموا حولها تحصينات جديدة، وفي إطار الإصلاحات الإدارية الرومانية اتخذت سبتة لقب عاصمة موريطانيا برمتها. وفي عهدهم “كانت مدينة سبتة حاضرة موريطانيا كلها، ولذلك اعتنى بها الرومان فأصبحت مدينة متحضرة جدا وافرة السكان. وظلت تنمو باستمرار سواء فيما يتعلق بعدد السكان أو بشرف أرومتهم إلى أن صارت أجمل مدن موريطانيا وأكثرها سكانا”. بحيث صارت هذه المدينة قاعدة لهذا القطر قبل الإسلام. وقد شيد الرومان في بليونش قصرا بين البساتين عرف باسم ئكزيليسا Exilissa. وقد استطاع هذا الحصن أن يصمد في وجه نوائب الدهر، فإلى حدود القرن الخامس الهجري كانت آثاره ما تزال قائمة. وتتميز الفترة الممتدة من القرن الثالث إلى القرن السادس الميلاديين بكونها فترة مظلمة في تاريخ سبتة وأحوازها، وتتفق هذه الفترة مع أحداث النهب والسلب التي تعرضت لها الإمبراطورية الرومانية من جزاء الغزو الوندالي ولم تنج سبتة كباقي الممتلكات الروانية في شمال إفريقيا كاللكسوس وتمودا من آثار هذا التخريب.

وقد ذكر أبو عبيد البكري (487هـ/1094م) نقلا عن محمد بن يوسف الوراق (362هـ/972م) أن ببليونش موضعا يعرف بالقصر على خندق يجري فيه ماء كثير في الشتاء ويقل في الصيف، وبهذا القصر آثار للأول من أقباء وغير ذلك. وهو يعني بالأول الذين استوطنوا المنطقة قبل الإسلام، وتدل إفادة الوراق على أن بعض هذه الآثار قد بقي زمانا طويلا بعد الفتح الإسلامي، وأنه وقف عليها عندما مر ببليونش في منتصف القرن الرابع الهجري.

والظاهر أن تسمية بالقصر تشير إلى القصر الروماني الذي كان في ذلك الموضع. وبقيت من آثاره أقباء كانت معدة لحفظ الطعام والمؤونة. وهذا يشير إلى تقنيات حفظ الطعام وتجميعه التي كانت تعتمد في تلك الفترة، مما يعني تطورا في المجال الفلاحي والاجتماعي. ويحيل على ما كان عليه ساكنة بليونش من استقرار واستثمار للغلات والمنتوجات الفلاحية، وتخزينها في أقباء تبقيها صالحة للأكل والاستعمال.

والقصر الذي أشار إليه موقعه في الخندق الكبير غرب برج السويحلة ببليونش. وهو الموضع الذي ستبنى فيه لاحقا القصر المريني. وادرك الوراق آثارا أخرى لم يسمها، وإنما أشار إليها بقوله: “وغير ذلك” لعلها خرائب وأطلال لمساكن وجنات وأرحاء وحمامات. وثمة مجموعة من اللقى الأثرية المعروضة في متاحف الرباط وطنجة وتطوان وسبتة والقصر الصغير وغيرها تخص هذه الحقب التاريخية المتعاقبة على المنطقة، تتمثل في أدوات الصيد والأسلحة والأرحاء اليدوية والحجارة المصقولة وأدوات الزينة والنقود والتماثيل والأواني المنزلية المعدة من الفخار وغير ذلك مما يرجع إلى مرحلة العصر الحجري الجديد أو النيوليثي، وجد بعضها بالقرب من منطقة بليونش كالغار لكحل والقصر الصغير. وهذه اللقى الأثرية على تفاوت مراحلها واختلاف أنواعها وأغراض استعمالها وتطورها من حيث الشكل والمادة والصنعة والوظيفة تؤكد أن هذه المنطقة عرفت تواجدا سكانيا منذ القدم، وتعاقبت عليها أمم وأجيال وملل ونحل، وكان لها نشاط فلاحي وتجاري واجتماعي وديني بارز بقيت هذه الآثار شاهدة عليه. ويمكن من خلال ما وجد من بعض اللقى الأثرية المنتشرة في بليونش وما جاورها، معرفة ملامح عامة من النشاط الإنساني في المنطقة، ورسم قسمات تاريخ غابر معرق في القدم. ومعنى هذا كله أن بليونش كانت في هذه الفترة قد بلغت في الجملة مبلغا ما؛ من التطور الاجتماعي والتنظيم المدني والتمدن الحضاري، وكان فيها عمران ونظام فلاحة وأساليب زراعة وتقنيات لحفظ الطعام ونحو ذلك من الأمور التي تترجم واقعا حضاريا سيعرف امتدادا وتطورا هائلا في العصور المتلاحقة.

الكتاب: سبتة وبليونش “دراسة في التاريخ والحضارة”

للمؤلف: د. عدنان أجانة

منشورات تطاون أسمير/ الجمعية المغربية للدراسات الأندلسية

(بريس تطوان)

يتبع…


شاهد أيضا