بليونش زمن بني حمود والبرغواطيين (الحلقة الأولى) - بريس تطوان - أخبار تطوان

بليونش زمن بني حمود والبرغواطيين (الحلقة الأولى)

بريس تطوان

أقضى أمر سبتة وحوازها بعد انحسار سلطة الأمويين وذهاب ريحهم إلى دولة بني حمود الأدارسة، وكان بدء أمرهم في شوال سنة 400 هـ/1009م. وامتد نفوذهم إلى بلاد الأندلس، إلا أن فترتهم غلب عليها تثبيت دعائم الملك ومحاربة المناوئين فاستهلكت أيامهم واستغرقت نظرهم إلى أن كثرت عليهم الجبهات واتسعت رقعة الخلاف عليهم، فانقرضت دولتهم في منتصف القرن الخامس الهجري بعد أن دامت نصف قرن، ولا تزال إلى اليوم بأحواز سبتة والمنطقة الطنجية أسر يرجع نسبها إلى بني حمود.

وفي آخر أيامهم استقل بسبتة وطنجة الحاجب سكوت البرغواطي، وكان أول أمره عبدا لشيخ حداد من موالي بني حمود، اشتراه من سبي برغواطة في بعض أيام جهادهم، وبيع بعد ذلك إلأى علي بن حمود وقت إمارته بسبتة وهو دون البلوغ، فتوسم فيه النجابة وقربه إليه، ثم أعتقه وأسند إليه عدة أعمال قام بها خير قيام، وفي أيام ابنه يحيى برز سكوت في عدة ميادين، وعندما بويع إدريس بن يحيى خليفته على مالقة استخلفه على سبتة، وذلك في حدود سنة 434هـ/1042م، فأخذ سكوت الأمور بجد وصرامة، ولكن مولاه إدريس لم يكن في مستوى المأمورية المنوطة به ولا عنده من الكفاءة القيادية والحمكة السياسية ما يجعله يثبت نفسه على كرسي الخلافة، ففي سنة 438هـ/1146م، قام عليه ابن عمه محمد ابن إدريس فخلعه ونصب نفسه مكانه وحاول أصحابه الدفاع عنه ولكن بدون جدوى، فخرج في عياله إلى سبتة ونزل بقصر الخلافة، فأظهر سكوت تعظيمه وخاطبه مخاطبة الملوك، ولكن ظل هو صاحب الأمر والنهي، ولم يكن لإدريس من الخلافة إلا الاسم، وقد شدد عليه الحصار وكان لا يدع أحدا يصل إليه، ورغم ذلك فقد ظل يخطب له بالخلافة إلى أن توفي سنة 444هـ/1052م، ولعل من هنا جاءه لقب الحاجب، ثم انتقل إلى ولده بعده على رسم الألقاب السلطانية، ولما ضعف أمر بني حمود قام سكوت بأمر سبتة وأحوازها واقعتد كرسي الإمارة بطنجة وسبتة وأطاعته قبائل غمارة، واتصلت أيام ولايته إلى أن كانت دولة المرابطين.

وقد عرفت سبتة وأحوازها مع سكوت استقرارا سياسيا ازدهرت معه نوادي المعرفة فيها وانتشرت حلقات العلم ومجالس التعليم، وكانت تعقد المناظرات في الفقه والحديث ويحضرها جهابذة العلماء وأئمة الفقه. وكان سكوت البرغواطي محبا لأهل العلم والأدب مقربا لهم، يدعوهم لمجلسه ويستشيرهم، وعندما ورد أبو الأصبغ بن سهل على سبتة نوه سكوت بمكانه، وقربه إليه وكانت له حظوة كبيرة لديه. وفي أيامه كان لسبتة أثر بارز في المبادلات التجارية من وإلى الشرق وعبر المجاز بين العدوتين المغربية والأندلسية، إلى أن قضى عليها المرابطون سنة 477هـ/1084م.

واشتهر سكوت بالشجاعة والقوة والحزم والفضل والكرم، واشتهر أيضا بتشجيع العلوم والآداب مع أنه كان أميا، فمدحه الشعراء وعاش في كنفه العلماء، وقد كان له اهتمام خاص بالقرآن الكريم تعبر عنه تلك الحادثة الطريفة، التي تذكرها كتب التاريخ، فقد وصلت إلى أبي الوليد بن جهور حاكم قرطية ثلاثة كتب في يوم واحد كلها من ملوك الطوائف، واحد من المعتصم بن صمادح حاكم المرية يطلب جارية عوادة، وواحد من المعتمد بن عباد يطلب جارية زامرة، وواحد من المنصور سكوت يطلب قارئا يقرأ القرآن. فوجه إليه ابن جهور رجلا من مقرئي قرطبة يعرف بعون الله بن نوح، وعلق ابن جهور على هذه الحادثة الغريبة قائلا: “جاهل يطلب قارئا! وعلماء يطلبون الأباطيل!”. وكانت مدة حكم البرغواطيين 33 سنة أو تزيد.

 الكتاب: سبتة وبليونش “دراسة في التاريخ والحضارة

للمؤلف: د. عدنان أجانة

منشورات تطاون أسمير/ الجمعية المغربية للدراسات الأندلسية

(بريس تطوان)

يتبع

 


شاهد أيضا