بليونش زمن الموحدين (1) - بريس تطوان - أخبار تطوان

بليونش زمن الموحدين (1)

بريس تطوان

دال الأمر بعد المرابطين إلى الموحدين فتولوا مقاليد الحكم وقوي سلطانهم في بلاد المغرب والأندلس، وكانت لهم الصولة والقوة في القرن السادس والسابع الهجريين، وقد امتنعت سبتة على الموحدين في أول الأمر ونزلها عبد المؤمن فاستعت عليه، وتولى أمرها في هذه الممانعة القاضي أبو الفضل عياض بن موسى الشهير الذكر وكان رئيسها يومئذ بأبوته ونصبه وعلمه ودينة. ولذلك سخطته دولة الموحدين آخر الأيام حتى مات مغربا عن سبتة مستعملا في خطة القضاء بالبادية من تادلا رحمه الله.

ثم إنه لما استفحل أمر عبد المؤمن وظهر سلطانه بايع أهل سبتة في جملة من بايع من أمصار المغرب، وبادر القاضي عياض إلى لقاء عبد المؤمن فاجتمع به بمدينة سلا؛ حين كان ذاهبا لفتح مراكش، فأجزل صلته وولى على سبتة يوسف بن مخلوف التينمللي، وساكن الموحدون أهل سبتة في ديارهم واطمأنوا إليهم، فلما انتقض المغرب على عبد المؤمن بسبب قيام محمد بن هود وما نشأ عن ذلك من الفتن انتقض أهل سبتة أيضا وكان انتقاضهم كما في القرطاس برأي القاضي عياض رحمه الله، فقتلوا عامل الموحدين ومن كان معه من أصحابه وحاميته وركب القاضي عياض البحر إلى يحيى بن علي المسوفي المعروف بابن غانية، وكان معتصما بقرطبة متمسكا بدعوة المرابطين. فلقيه وأدى إليه البيعة وطلب منه واليا على سبتة فبعث معه يحيى بن أبي بكر الصحراوي فدخل يحيى سبتة وقام بأمرها.

ولما اتصلت بعبد المؤمن هذه الأخبار خرج من مراكش قاصدا بلاد برغواطة فتسامعت برغواطة بخروج عبد المؤمن إليهم فكتبوا إلى يحيى بن أبي بكر بمكانه من سبتة يستنصرونه عليهم فأتاهم وبايعوه واجتمعوا عليه وقاتوا عبد المؤمن فهزموه ثم كانت له الكرة عليهم فهزمهم وحكم السيف فيهم واستأصل شأفتهم حتى انقادوا للطاعة وتبرؤوا من يحيى الصحراوي ولمتونة، وفر الصحراوي إلى منتجاته. ثم طلب الأمان من عبد المؤمن وتشفع إليه بأشياخ القبائل فأمنه ووفد عليه فبايعه وحسنت طاعته لديه. وكان ذلك سنة 542هـ/1147م.

ولما رأى أهل سبتة ذلك كله سقط في أيديهم وندموا على صنيعهم، وكتبوا بيعتهم إلى عبد المؤمن وقدم بها أشياخ سبتة وطلبتها تائبين. فعفا عنهم وعن القاضي عياض وأمره بسكنى مراكش، والصحيح أنه ولاه القضاء بتادلا ثم دخل مراكش. قيل: دخلها مريضا مرض موته وقيل مات بالطريق وحمل إليها. ولما استتب الأمر لعبد المؤمن أمر بهدم سور سبتة فهدم وكذلك فعل بفاس وسلا. وذلك 542هـ/1147م/ وقال: إنا لا نحتاج إلى سور، إنا لا نحتاج إلى سور، إنما أسوار أسيافنا وعدلنا.

وكانت سبتة وطنجة من أول دولة الموحدين من أعظم عمالاتهم وأكبر ممالكهم، بما كانت ثغر العدوة ومرفأ الأساطيل ودارا لإنشاء الآلات التجارية وفرضة الجواز إلى الجهاد. فكانت ولايتها مختصة بالقرابة من السادة بني عبد المؤمن، وكانت أعمالها في هذا العهد في غاية السعة والضخامة؛ لأن بلاد غمارة كلها كانت ترجع إليها.

وكانت سبتة قد بلغت مبلغا كبيرا من الشهرة العلمية والتجارية مما جعلها تستقبل مجموعة من الوافدين عليها والمستقرين بها من المغرب والأندلس طلبا للتجارة والعلم. وأصبحت سبتة في طليعة مراكز إنتاج الورق بجانب شاطبة وفاس. إضافة إلى شهرتها بتصدير المرجان والفواكه. كما اشتهرت بوارداتها من البلاد النائية كالصين، فقد كان يجلب إليها المناديل التي تعمل من وبر حيوان السمندل من الصين، وهذه المناديل تمسح بها أيدي الملوك عند تمام الأكل فإذا تدنست أو توسخت فإن غسلت بماء صابون زادت وسخا إلى وسخها وإنما غسلها يؤخذ مجمار بنار فيجعل فيه المنديل فيحترق الوسخ ويخرج المنديل نقيا أنقة مما كان، وقد شاهد أحد السبتيين هذه المناديل في سبتة (645هـ/1247م).

وقد ازدهرت في أيام الموحدين فنون العمارة والهندسة وكانت مدتهم زاخرة بالإنجازات الحضارية والمعمارية، وكثر المهندسون في هذا العهد كثرة فائقة. وكانت الهندسة الميكانيكية شائعة في المغرب آنذاك وألف فيها الناس، وكان الحاج يعيش المالقي من أشهر المهندسين في هذا الوقت، وهو الذي تولى بناء المدينة بجبل طارق. واشتهر أيضا غيره كأبي الحسن علي بن عمر بن عبد المؤمن الذي كان من أعلم الناس بأمور الري والمباني، وعلي الغماري وابن جاسة وأبو إسحاق بزار بن محمد وأبو عمران موسى بن حسن بن أبي شامة وغيرهم. وقد شهدت سبتة وبليونش في أيامهم ملامح من العمارة الموحدية في الأبنية والتحصينات والمساكن والجنات، ومن ذلك المنزل الملوكي الذي ابتني لأبي يعقوب الموحدي بسبتة لما نزل بها نزل بها سنة 567هـ/1171م، ودار صنعة الإنشاء التي بنيت في عهده بسبتة.

 الكتاب: سبتة وبليونش “دراسة في التاريخ والحضارة”

للمؤلف: د. عدنان أجانة

منشورات تطاون أسمير/ الجمعية المغربية للدراسات الأندلسية

(بريس تطوان)

يتبع

 


شاهد أيضا