بليونش زمن المرابطين (2) - بريس تطوان - أخبار تطوان

بليونش زمن المرابطين (2)

بريس تطوان

واشتهرت بليونش في هذا العهد بتصدير الفواكه، وتصدير قصب السكر الذي كان من أهم المحاصيل الزراعية التي اشتهرت بزراعته ومنها كان يتجهز به إلى ما جاور سبتة من البلاد. وقصب السكر خاص بقرية بليونش وفيه أنواع ثلاثة. وقد كان السكر يدخل عندهم في تحضير كثير من الأطعمة والحلويات ويستعمل مطبوخا ومدقوقا. وتردد صدى التنوع النباتي في بليونش في كتب الفلاحة والنبات، فألف ابن سبتة الشريف الإدريسي الكتاب الجامع لصفات أشتات النبات، وقد استفاد منه ابن البيطار وغيره من مصنفي الأدوية والصيدلة. وذكر أبو الخير الإشبيلي في كتابه عمدو الطبيب  في معرفة النبات بعض ما اشتهر من النباتات ذوات الخواص العلاجية في سبتة وأحوازها.

وتطور صيد المرجان الذي عرفت به بليونش في زمن الأمويين، وهو المرجان الذي لا يعدله صنف من صنوف المرجان المستخرج بجميع أقطار البحار، فكان يصاد بآلات ذوات ذوتئب كثيرة تصنع من القنب، تدار هذه الآلة في أعلى المراكب فتلتف الخيوط على ما قاربها من نبات المرجان فيجذبه الرجال إلى أنفسهم ويستخرجون منه الشيء الكثير مما يباع بالأموال الطائلة. وكان بمدينة سبتة سوق لتفصيله وحكه وصنعه خرزا وثقبه وتنظيمه، ومنها يتجهز به إلى سائر البلاد وأكثر ما يحمل إلى غانة وجميع بلاد السودان، لأنه في تلك البلاد يستعمل كثيرا، وبذلك صارت بليونش في هذا العهد مصدر مادة خام لصناعة تكون من أهم صناعات سبتة، وتنمو على أساسها تجارتها البعيدة المدى.

كما تطورت تقنيات صيد الحوت بسبتة  وبليونش في هذا العهد، فكان بمدينة سبتة مصايد للحوت ولا يعدلها بلد في إصابة الحوت وجبله، ويصاد بها من السمك نحو من مائة نوع، ويصاد بها السمك المسنى التين الكبير الكثر، وصيدهم له يكون زرقا بالرماح، وهذه  الرماح لها في أسنتها أجنحة بارزة تنشب في الحوت ولا تخرج وفي أطراف عصيها شرائط القنب الطوال، ولهم في ذلك دربة وحكمة سبقوا فيها جميع الصيادين لذلك.

وقد انعكس هذا الثراء على أهل المدينة فاتخذوا ببليونش جنات وبساتين كانوا يخرجون إليها ويترددون عليها، وممن كانت لهم جنة في بليونش في هذا العصر القاضي التاجر عبود بن سعيد، والقاضي عياض، والعلامة المحدث يحيى بن رزق الأندلسي، ومحمد بن أحمد السبتي وغيرهم، وصارت بليونش قرية آهاة كبيرة تشتمل على جنات مسورة بحيطان، ومياه لها مجار تمر بين الجنات والغراس، ويوضع لها أحيانا ممر مدفون في الأرض وطرق مبلطة بالحجارة، وكانت تتخذ على مصب المياه، وكان ينفق عليها أحيانا مال كثير، كما كان كل واحد يحفر عينا في جنته، وتفنن الناس في طرق الري ومد قنوات المياه وسقي الجنات، وتطورت فيها الفلاحة وتهذيب مناحيها. وقد اختصر هذا كله القاضي عياض عندما وصفها بأنها جنة في قوله:

بليونش جنة ولـــــكن *** طــــريقها يقطع النياطا

كجة الخلد لا يراها *** إلا الذي جاوز الصراطا

وظهرت منازعات بين أهل بليونش في كيفية التصرف في الماء وتقسميه وحصص توزيعه على الجنات والأرحية استفتي فيها القاضي عياض وشيخه ابن رشد. كما ظهرت منازعات مع بعض أصحاب الجنات الذين اقتطعوا جانبا من الطريق العمومي وأدخلوه في جناتهم وقطعوا الطريق أمام الناس تردد صداها في كتب النوازل والفقه، وللقاضي عبود وابن رشد وعياض ومحمد بن إسماعيل وأحمد بن محمد الحاج وموسى بن حماد فتاوى مشهورة في هذه النوازل.

منها أن أحد المتنفذين في سبتة وهو عبد السلام الذي كان من أصحاب سكوت البرغواطي حاكم سبتة، جلب ماء السياج الجاري من بليونش إلى جنانه وحفر ممرا له عبر طريق عمومية وظل الأمر كذلك أكثر من عشرين سنة إلى أن زالت دولة البرغواطي، وجاء المرابطون فقام أهل سبتة على عبد السلام المذكور وشكوه إلى عبود بن سعيد التنوخي، الذي عينه يوسف بن تاشفين قاضيا على سبتة فحكم بمنع مرور الماء من الطريق العمومي لضرره بالمارة، ولأنه لم يكن جاريا من قبل. وقد تكرر أمر اقتطاع الطريق العمومي وإدخاله في أرض الجنة واستغلاله في هذه الفترة، مما أدى إلى منازعات استفتي فيها الفقهاء.

ومن المسائل التي استفتي فيها فقهاء سبتة؛ مسألة في حصة من جنة كانت لامرأة ووهبتها لابنتها، ومسألة في تضرر الجيران ببعض تصرفات أصحاب الجنات، الذين اشتهروا بالاستهتار والمعاصي واتخذوا جناتهم مأوى للعربدة والفجور، فحكم القاضي ببيع الجنة عليه وإخراجها عن ملكه حتى ينقطع الضرار عن جيرانه، وتحيل هذه المسائل والنوازل على النشاط الاجتماعي الكبير الذي عرفته سبتة وبليونش زمن المرابطين، وعلى المعالم الحضرية للقرية البليونشية، من أزقة مبلطة وجنات مسورة وبساتين ورحى ومرافق مصاحبة لها كانت جميعا في حومة الغروس، ولم يبق في بليونش أثر للعصر المرابطي بسبب تطور العمارة فيها زمن الموحدين والمرينيين، إلا أنهم قد مهدوا السبيل أمام عصر المحدين الزاخر بفنه وعمارته وحضارته.

 الكتاب: سبتة وبليونش “دراسة في التاريخ والحضارة”

للمؤلف: د. عدنان أجانة

منشورات تطاون أسمير/ الجمعية المغربية للدراسات الأندلسية

(بريس تطوان)

يتبع…

 


شاهد أيضا