بليونش زمن العزفين والمرينيين (6) - بريس تطوان - أخبار تطوان

بليونش زمن العزفين والمرينيين (6)

بريس تطوان

وكان أهل سبتة في أيامه في عيش هني ونعمة شاملة، بقي على هذه الحالة المرضية مدة عشرين سنة. وله بسبتة وله بسبتة آثار تحكى الآثار العزفية، كالرياض الأعظم الذي أمام باب الميناء الأسفل الذي تأنق في بنيانه وابدع صنعته وجلب إليه المياه بالدواليب حتى أوصله إلى القبة ذات الأعمدة، وكالرياض الذي بالصفارين حيث كان قعوده مع خواص الناس وعامتهم. قال الحضرمي صاحب الكواكب الوقادة: “سمعت أحد كتابه الخاص به الملازم له ليلا ونهارامع مرور الأيام والسنين يقول: ما أمرني قط سيدي ومولاي الشريف بكتب شيء مخالف للشرع، بل في رفع المظالم وإنهاء الشفاعات وتوجيه الأمانات وما في معنى ذلك، مما ندب إليه الشرع وحض عليه ووعد بالثواب على فعله. وطالما سمعت الكاتب المذكور يقسم على ذلك فنفعه الله به”.

وكان الشريف المذكور يصنع أنواع المطاعم الرفيعة ويتبسط في ألوانها، ويطعمها الغني والفقير والقوي والضعيف والقوي والضعيف ممن يحضر مجالسه أو يأتي إليه وبالجملة فهو الجود الذي عليه المدار، وإمام الأدب الي لا يجاريه الرضي ولا مهيار. ومن نظمه وقد ساير قاضي الجماعة بحضرة غرناطة أبا البركات البلفيقي الشهير بابن الحاج السلمي زمن الشبيبة في بعض أسفاره ببر الأندلس، فلما انتهيا إلى قرية بزليانة وأدركهما النصب واشتد عليهما حر الهجير، نزلا وأكلا من باكر التين الذي هنالك وشربا من ذلك الماء العذب، واستلقى أبو البركات على ظهره تحت شجرة مستظلا بظلها، ثم التفت إلى الشريف وقال:

ماذا تقول فدتك النفس في حالي *** يفنى زماني في حل وترحال

وأرتج عليه فقال لأبي العباس: أجز؛ فقال بديها:

كذا النفوس اللواتي العز يصحبها *** لا ترتضي بمقام دون آمال

دعها تجوب الفيافي والقفار إلى *** أن تبلغ السؤل أو تفنى بتجوال

الموت أهون من عيش لدى زمن *** يعلي اللئيم ويدني الأشرف العالي

وله أشعار أخرى ذكرها الأديب أبو إسحاق النميري في مذكراته. وشعره كله جيد مليح، منها أبيات في وصف مجالس الأنس يغلب على الظن أنها قيلت في بليونش. منها قوله:

وعشية طربت بها مهجاتنا *** فكأنما أضحت تعيد شبابها

وبها تهيجت الشجون لعاشق *** صب يرى خطأ الأمور صوابها

لم أنس أيتها البطاح وقوفنا *** بك والربا قد نوعت أعشابها

فترى بها الأزهار أنواعا غدا *** يكسو الرياض جمالهن بما بها

وسرى شذاها ضحوة فكأنما *** جنات عدن فتحت أبوابها

جرت السوافي والسواقي فوقها ***  تجري ويلزم حسنها أذنابها

وكان عطاء هذا السيد الشريف المرسوم له من بيت المال ثلاثين دينارا من الذهب العين في رأس كل شهر، وهو خاتمة الشرفاء العظام بمدينة سبتة. وكان فائدة مضرب الميناء لهذا الشريف الحسيني دون أن يشركه غيره، وكان له بمضرب أويات يوم يضرب فيه، ويومان لبيت المال، وكانت عادة عامل المضارب الناظر في فوائدها وما تحتاج إليه من نفقة وآلة، أن يأمر رجاله وأعوانه حين يقعد النواتية الكيس بالوقوف إليه والدفاع عنه بعد أن يحضر الشهود، خفرا وضبطا لما يحصل من فائد المضرب المالي في يوميه؛ فإذا كان يوم السيد الشريف يأمر رجاله وخادمه وأعلاجه الإسلاميين؛ بإباحة المضرب للمساكين وتفريق الحوت على من لا يصل إليه ممن يحضر متنزها، إما لحفظ مروءة وإما لغير ذلك. ولا يزال الناظر من قبله وهو القائد فارح أحد أعلاجه واقفا على حصانه وقد أحاطت به رجاله إلى أن يرضى كل من يحضر، وما فضل عن ذلك فهو له. وأما السيد الشريف فلا يحضر إذ همته أرفع من ذلك وقدره أعظم ومكانته بسبتة مكانته، بحيث يأتي إليه في الموضع الذي أعده لجلوسه برياضه الذي بالصفارين صبيحة كل يوم صاحب القصبة كائنا من كان مسلما عليه ثم ينصرف، ثم يأتي الوالي على قبض الجباية مسلما ثم ينصرف بعد تقبيل قدمه، ثم يأتي صاحب الشرطة وكذا جميع أمراء سبتة، إلا القاضي لمكان خطته، فيعامل كلا بما يستحق من إكرام وإهانة، وإغلاط ومجاملة، فلا يتخلف أحد عن غرضه، ولا يصدر إلا عن رأيه ونظره. وهذا كله مع النصيحة للمسلمين، وجلب المنفعة لهم بالقول والفعل، وغطعام الطعام الذي لا يقدر عليه الأمير فمن دونه، ورفع المظالم ومنح الجاه إلى غيره ذلك نفعه الله.

فكان من حكمة الله عز وجل وبركة أهل البيت، وفضل الجود والكرم ومكارم الأخلاق وإيصال المنفعة للعباد، أن يخرج في اليوم الذي له بالمضرب من الحوت أي نوع كان من الجاري أضعاف ما يخرج في اليومين، ويحصل له من الفائد أكثر مما يحصل لمتولي النظر فيهما، فيتصل بيده من فائد يومه الخمس مائة الدينار والسبع المائة وربما يزيد وينقص، وقد انتهى، في بعض الأحيان إلى ألفي دينار في اليوم، حسبما يسنيه الله عز وجل؛ هذا بعد العادة التي عودها نفسه النفسية من الإيثار والبذل للسرى والنذل. ولم تكن له همة رحمه الله في احتكار المال وجمعه، بل يصرف ذلك كله في إطعام الطعام الخاص والعام، وفي تشييد البنيان والإنفاق على الفعلة والصناع والخدام، وآثاره ومصانعه بداخل سبتة وخاجها شاهدة بذلك مدى الأيام؛ وكم في أثناء هذا التصرف من مؤاساة فقير وإعانة ضعيف وإغاثة ملهوف برفع لازم أو وظيف حسبما هو معلوم معروف منقول.

وكان ملوك بني مرين يعتنون به أتم اعتناءـ ويبادرون إلى موافقة أغراضه وقبول شفاعته، وما كان يتلقاه حين وروده على حضرتهم فاس إلا الملك بنفسه، إلى غير ذلك من مناقبه رضي الله عنه ونفعنا به وبسلفه الطاهر. ولم يقتصر جود هذا الشريف وكرمه على الخاصة من الناس بل كان سخيا حتى مع عامتهم وضعفائهم ويصرف كل أمواله في إطعامهم. وعرف عن الشريف امتلاكه لعقارات واملاك كثيرة بمدينة سبتة وخارجها تحاكي ما كن يملكه العزفيون ومن ذلك الرياضات والبساتين والقصور والمنيات وغيرها.

ورجح الأستاذ محمد عزيمان أن تكون المزارة المشهورة في سبتة المنسوبة لسيدي أبي العباس الخزرجي ولا لأبي العباس الحسيني. وإنما هي من القباب التي بناها الإسبان كدعاية بأنهم يعظمون المقديات الدينية.

وتعقبه ابن عزوز بقوله: وهذا خطأ لأن الضريح المذكور كان موجودا قبل أن تغتصب إسبانيا مدينة سبتة سنة 1640م حيث نجد ذكره في الكتب والخرائط التي وضعت في عهد الاحتلال البرتغالي، وأقدم خريطة وجدنا بها ذكر هذا الضريح تحمل تاريخ 1611م، الشيء الذي يدل على الضريح هو للشريف أبي العباس أحمد بن محمد بن أحمد ابن طاهر الحسيني الكاتب والشاعر الذي كان رئيسا بسبتة في عهد السلطان أبي عنان فارس المريني.

وكان أبو العباس يستقبل وفود الأندلس من الملوك والأمراء والوزارء ونحوهم، ويقومبحق الضيافة وترتيب الرحلة إلى فاس، وما يقتضيه ذلك من الإعداد والضيافة. وإلى أبي العباس الحسيني ينسب الفلاحون مد سيدي أبي العباس لأنه كان ناظرا على الجبايات، والنسبة باقية إلى اليوم. ولم تزل حالته هذه رحمة الله عليه إلى أن أسن وأقعد، فلزم منزله ثلاث سنين، من غير أن ينقص ذلك من منصبه شيئا ولا من انتفاع الناس به؛ وكان أبيض اللون حسن الهيئة والملبس، يخضب بالحناء؛ وتوفي في زمانته وقد نيف على الثمانين عام 776هـ. ولهؤلاء الشرفاء بمدينة سبتة نحو الثلاثين قبرا في روضتهم المنسوبة إليهم بالجانب الشرقي من رابطة الفصال. وهذه الرابطة كانت والله أعلم بالجانب الشرقي من الربض البراني الذي يحد شرقا بالبحر حيث المكان الذي نسميه المضربة اليوم. كان لأبي العباس فضل كبير على بليونش، فقد دشن فيها معلمتين كانت موضع إعجاب وإكبار أواسط القرن الثامن الهجري. وهما جنة الحافة والمنزل الملوكي المعروف بالمنية. وسيأتي الحديث عنهما مفصلا في القسم الثاني من هذا البحث.

الكتاب: سبتة وبليونش “دراسة في التاريخ والحضارة

للمؤلف: د. عدنان أجانة

منشورات تطاون أسمير/ الجمعية المغربية للدراسات الأندلسية

(بريس تطوان)

يتبع

 


شاهد أيضا