بليونش زمن الأمويين (الحلقة الثانية) - بريس تطوان - أخبار تطوان

بليونش زمن الأمويين (الحلقة الثانية)

بريس تطوان

ويفهم من قول الشريف الإدريسي كان هذا المشروع الضخم أنجز قسمه الأول وهو بناء السور، وبقي قسمه الثاني المتعلق بنقل المدينة غير منجز، وهذا ما يذكره صاحب الاستبصار والحميري في الروض المعطار، وأما البكري في المسالك فذكر أنه ابتدأ في بناء سور لم يتم، والبكري أندلسي متقدم على الإدريسي، والظاهر أنه يرحل عن بلاد الأندلس، فيحتمل أن ما قاله عن سور سبتة ليس عن معاينة، وإنما رواية منقولة، والله أعلم، وقد كان لجده أيوب بن عمرو البكري صلة بالمنصور ابن أبي عامر. أما الإدريسي فهو سبتي الدار عارف بما يقوله، لذلك يقدم قوله، وقال صاحب الاستبصار والحميري: “والسور باق إلى وقتنا هذا كأنه مبنى بالأمس؛ وهو يظهر من بر الأندلس لبياضه”. ومن غرائب ما في ذلك السور أن فيه شقة مستطيلة بأبراجها مبنية بالزيت عوضا عن الماء، وكان غرض المنصور إتمام عمله على هذا النعت لولا الإنفاق الكثير، فإن البناء بالزيت أصلب وأبقى على مرور الدهر فلم يساعده الأجل، وتاريخ بنائه يرجع إلى سنة 400 هـ/1010م، الموافقة لموت المنصور، وهذا السور باق إلى اليوم يظهر في أعلى جبل الميناء بسبتة كإكليل الحسناء، وهو عنوان على تلك المرحلة الغنية من تاريخ سبتة في العصر الوسيط.

وفي هذا العهد صار لبليونش ذكر في كتب المسالك والممالك والبلدان، وتزايد إقبال الناس على اتخاذ الجنات والبساتين بها. وعرفت تحولا كبيرا في بنيتها الاجتماعية والعمرانية، وانتقل إليها بعض ما كان في الأندلس من عمارة وحضارة، وظهر أثر ذلك في الأبنية الفخمة وتهذب مناحي الفلاحة والزراعة وتدبير المحصول وتقنيات الري والسقي. وقد مر بها الرحالة محمد بن يوسف الرواق (362هـ/972م) في هذا العهد ووصفها بقوله: “قرية كبيرة آهلة كثيرة الفواكه”. كما ذكر ابن حوقل (367هـ/977م) البغدادي في زيارته لها أنها اشتملت على بساتين وجنات تقوم بحاجات أهل سبتة.

وفي هذا العهد أيضا اشتهرت بليونش بمرجانها النفيس الذي لا يعادله مرجان في الجودة والكثرة، وكان يستخرج من ساحلها، وكان له سوق كبير في سبتة لتفصيله وحكه وثقبه وتنظيفه. ومنها كان يصدر إلى سائر البلاد، وأكثر ما يحمل إلى غانة وجميع بلاد السودان، لأنه في تلك البلاد يستعمل كثيرا. ويذكر ابن حوقل وقد زارها في منتصف القرن الرابع الهجري زمن حكم بني امية أنه يعمل من المرجان بسبتة “قويرات أواني لطاف”.

وبرواج التجارة في سبتة اتسعت أحوال الناس وظهر ذلك في مساكنهم ومعاشهم، وقصدها الناس للسكنى وممن أعجبته واستحسن سكناها عمرون جد جد القاضي عياض رحمه الله، وكان موسرا فاشترى بها أرضا وهي المعروفة بالمنارة، فبنى في بعضها مسجدا وفي بعضها دارا حبسها على المسجد، وحبس الأرض للدفن، ولم يزل منقطعا في ذلك المسجد إلى أن مات رحمه الله سنة 397هـ/1006م.

واشتهرت بليونش في هذه الفترة بالأرحية ووفرة المياه، وببعض المنوجات الزراعية كقصب السكر الذي كان يصر إلى الآفاق. كما اشتهرت بمرساها الذي كان من المرافئ الأساسية في المنطقة، لكونه جاء في جون يكن من كان فيه، وقد كان هذا المرسى ضمن سلسلة أخرى من المراسي التي امتدت على الشريط الساحلي لشمال المغرب، وفي هذه الفترة؛ جدد عبد الرحمن الناصر بناء الحصن الذي كان في وادي المرسى وهدمه بنو محمد والمصامدة زمن إمارة بني عصام في سبتة سنة 302 هـ/914م. ثم هدمته المصامدة مرة أخرى بعد ذلك سنة 340 هـ/951م.

وأهم أثر للعمارة الأندلسية في بليونش يرجع إلى هذه الفترة الفريدة في تاريخ المغرب، هو المنية الأندلسية التي بنيت في بليونش في عهد عبد الرحمن الناصر على الأرجح، فقد كشف التنقيب عن بقايا مندثرة لمسكن ذي قيمة معمارية كبرى، يتكون ونباتات بينما حافظ مجموعة من الغرف المحيطة ببهو فسيح، يبدو أنه كان مزينا بأشجار ونباتات بينما حافظ أسفل حيطان غرفه على بقايا بعض الزخارف التي تذكر ببساطتها بما تم اكتشافه ببجانة بالأندلس، وكذا ببعض الألواح الجدارية الزخرفية الموجودة بمدينة الزهراء، وإن كانت هذه الأخيرة مختلفة عن الأولى، تمكننا التحاليل الأولية من القول بأن هذه المباني من مشيدات القرنين الرابع والخامس الهجريين العاشر والحادي عشر الميلاديين، ومهما يكن من أمر، فنحن هنا أمام مخلفات نموذج فريد مما تم اكتشافه من عمران السكن بالمغرب في العصر الوسيط الأول.

وتشتمل هذه المنية على باب رئيس، وقاعة كبرى رئيسة وقاعة للخدم ومراحيض وبالوعة وجدران وأجزاء مغاطاة ودرج وحديقة، وقد بقي من هذه المنية رسمها وأساسها وبعض الجدران وسيأتي الحديث عنها مفصلا في قسم الآثار، وهذا النموذج الفريد من البنايات الأندلسية يعرف بالمنية، وهو بناء يتخذ لأغراض الاستجمام والراحة، وتعد بليونش الموقع الوحيد في المغرب الذي يشتمل هاة أنموذج المنية الأندلسية التي بنيت في فترة النفوذ الأموي على المغرب، وحق لها أن تفتخر بهذا الأنموذج الفريد للعمارة الأندلسية، ولكن للأسف الشديد، فإن هذا الأثر النفيس يتداعى يوما بعد يوم بسبب الجهل بقيمته التاريخية والحضارية، وهب الآن معرضة للتخريب والهدم من غير مراقبة ولا ترميم.

وممن زار بليونش في هذه الفترة ووصفها:

المؤرخ الجغرافي محمد بن يوسف الرواق (362 – 392هـ/904 -972م):

وهو محمد بن يوسف أبو عبد الله الوراق التاريخي الأندلسي الأصل القيرواني المنشأ، الجغرافي الكبير الشأن “الحافظ لأخبار المغرب” كما وصفه ابن حيان مؤرخ الأندلس. وقد “ألف للمستنصر رحمه الله تعالى في مسالك إفريقية وممالكها ديوانا ضخما، وفي أخبار ملوكها وحروبهم والقائمين عليهم كتبا جمة، وكذلك ألف أيضا في أخبار تيهرت ووهران وتونس وسجلماسة ونكور والبصرة وغيرها تأليف حسانا. ومحمد هذا أندلسي الأصل والفرع، آباؤه من وادي الحجارة ومدفنه بقطبة وهجرته إليها، وإن كانت نشأته بالقيروان، وللوراق أيضا رسائل صغيرة عظيمة القيمة عن بعض بلاد أفريقيا، احتفظ لنا بقطع منها المؤرخ ابن عذاري المراكشي، وكتابه المسالك والممالك الذي ألفه للمستنصر كتاب ضخم فخم، وهو مفقود للأسف، وهو أحد المصادر الرئيسة التي اعتمد عليها البكري في كتابه المسالك والممالك في كل ما يتعلق بالمغرب سواء كان مادة تاريخية أو جغرافية. وهو يذكر الوراق عادة باسم محمد بن يوسف. وكذا زراها ووصفها المؤرخ الجغرافي:

محمد  بن حوقل البغدادي (367 هـ/977م):

وهو أبو القاسم محمد بن علي بن حوقل النصيبي البغدادي الموصلي، الرحالة الجغرافي المشهور في الآفاق، اشتغل بالتجارة وارتحل إلى بغداد ودخل المغرب وصقيلة وجاب بلاد الأندلس وغيرها، وتوفي بعد سنة 367 هـ/977م) وصنف كتاب: المسالك والممالك وغيره.

وصف بليونش في هذه الفترة:

سجل كل من الوراق وابن حوقل ما رأياه ببليونش في منتصف القرن الرابع الهجري، وهي المرحلة التي تصادف حكم الأمويين، وتدل إفادتهما معا على ما كانت عليه بليونش من العمران والبناء والجنات والبساتين، فقد كانت قرية كبيرة آهلة بالسكان وكان أهلها يستخرجون منها المرجان ويحملونه إلى السوق الكبيرة الخاصة بتصنيعه في سبتة ثم يصدر منها إلى البلاد البعيدة بعد التفنن في تشكيله وتصنيعه، فانتعشت بذلك أحوال أهلها وحسنت، واشتهرت في هذه الفترة ببعض أنواع المزروعات كقصب السكر كما اشتهرت بكثرة الفواكه وأنواعها، وعندما زارها الوراق سمع ما كان يتناقله أهل بليونش من أن لقاء موسى والخضر عليهما السلام كان بساحلها، وأنه يوجد في هذا الموضع خاصة دون غيره حوت ينسب إلى موسى، عرضه مقدار ثلثي شبر وطوله أكثر من شير، لحمه في أحد جانبيه والجانب الآخر لا لحم فيه إنما جلدته على الشوك. ولحمه طيب نافع من الحصاة مقو للباه.

كما عرفت بليونش من فنون العمارة أنموذج المنية الأدلسية، التي كانت معلمة بارزة في ذلك الوقت، ويشهد ما بقي من آثارها على ما كانت عليه في السابق من الأبهة والحسن.

ونختم هذه الفترة بذكر إفادة الوراق وابن حوقل. قال محمد بن يوسف الرواق، (362 – 292هـ/904 – 972م) وتعد إفادته أوسع نص عن بليونش في القرن الرابع الهجري: “إذا خرج الخارج من طنجة إلى سبتة في البحر فإنه يأخذ إلى جانب الشرق، وأول ما يلقى جبل المنارة، ثم مرسى باب اليم هو غير مكن، وفيه سكنى ورباط وواد لطيف يريق في البحر… ثم مرسى بليونش. وبليونش قرية كبيرة آهلة كثيرة الفواكه. وبغربيها نهر يريق في البحر عليه الأرحاء، وبينه وبين مرسى جزيرة تورة في البر خمسة أميال. ثم موضع يعرف بالقصر على خندق يجري فيه ماء كثير في الشتاء ويقل في الصيف، وبهذا القصر آثار للأول من أقباء وغير ذلك، ثم موضع يعرف بماء الحياة، عيون على ضفة البحر منبعثة بين أحجار من تحت شرف رمل طيبة عذبة يصل إليها الموج وينبط الماء العذب في هذا الرمل بأيسر حفر. ويذكر أن بهذا الموضع نسي فتى موسى الحوت، ويوجد في ذلك الموضع خاصة دون غيره حوت ينسب إلى موسى، عرضه مقدار ثلثي وطوله أكثر من شبر، لحمه في أحد جانبيه والجانب الآخر لا لحم فيه إنما جلدته على الشوك، ولحمه طيب نافع من الحصاة مقو للباه. ثم مرسى لطيف يعرف بمرسى دنيل، بإزائه في البر قرية تعرف بهوارة عامرة بها عيون عذبة. ثم حجر نابت في البحر يعرف بحجر السودان، ثم مدينة سبتة”.

وقال الجغرافي الكبير ابن حوقل (بعد 967هـ): “مدينة سبتة وهي لطيفة على نحر البحر. وبها بساتين واجنة تقوم بأهلها. وماؤها من دخلها يستخرج من آبار بها معين، ومن خارجها أيضا من الآبار شيء كثير عذب. ولها مرسى قريب الأمر، وقد تقدم أن بها معدنا للمرجان صالحا يعمل فيه قويربات لطاف، وهي وقتنا هذا لبنى أمية ولم يكن لهم في عدوة المغرب غيرها، ولها من ظاهرها بربر يأخذ صدقاتهم ولوازمهم وخراجهم من كان بها واليا عليها وكذلك من كان بمرسى موسى في ضمنهم. وكاني بها راجعة إلى مولانا، عليه السلام”.

الكتاب: سبتة وبليونش “دراسة في التاريخ والحضارة

للمؤلف: د. عدنان أجانة

منشورات تطاون أسمير/ الجمعية المغربية للدراسات الأندلسية

(بريس تطوان)

يتبع

 

 


شاهد أيضا