بريس تطوان في حوار مع الدكتور “أحمد عبادي” الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء

بريس تطوان

بريس تطوان: كيف تساهم المرجعية الدينية في معالجة الظاهرة الإرهابية؟ وهل الدين الإسلامي وحده كاف لمكافحة ظاهرة الإرهاب ؟

المرجعية الدينية هدفها الأسمى هو الإسعاد في العاجل وفي الآجل، وإذا سألت أي دين من الأديان عن الوظيفة الجوهرية لمن جاءوا بهذه الأديان، فهي تعليم الناس المنهج الأمثل لتصريف الأنفاس بما يتسق مع هذه المرجعية المَدْعوِّ إليها على سبيل الإفراد وعلى سبيل الاجتماع، في الحال وفي المآل؛ بهذه البساطة. والمرجعية الدينية بالإضافة إلى هذا الهدف الأسنى، تستند إلى جملة من المفاصل:

 المفصل الأول: هو الإبصار أو بلغة العصر ال”GPS”.. من أنت؟ .. من أنا ؟ .. أين أنا؟ .. لماذا ؟ .. ما هو المطلوب مني بعبارة أخرى؟ وكيف أنشأ الإرادة لتحقيق هذا المطلوب مني؟..

المفصل الثاني: التمييز، أو بلغتنا في المرجعية الإسلامية الفُرقان، والذي بمقتضاه أُمِّيز بين الخَيِّر وغيرِ الخَيِّر، السليم وغير السليم، الحلال وما دونه، الخطأ والصواب.

وهذا البعد المتصل بالفرقان أيضا يُبنى بناء، لكنه لا يكفي، إذ بعد أن أعرف الخير والشر، لا بد أن أعرف ما هو خير الخيْرَيْن وما هو شر الشَّرَّيْن، كل الأديان عندها شيء يسمى الميزان(balance)   ثم  بعد أن أعرف خير الخيرين أو شر الشرين، لا بد أن تكون عندي الإرادة لكي أقول لا للشر، ولكي أقول نعم للخير. ولذلك كل الأديان فيها هذه التنشئة للإرادة عن طريق التزكية (purification) وهذا أيضا مشترك. ثم هذه الأمور كلها، لا يمكن على الإطلاق أن نقول إنها سليمة، إذا لم تحقق الرشد للفرد والمجتمع، في الحال وفي المآل. مما يعني أننا سنتصل بشبكة تقويمية لأداء الدين بشكل عام أو بلغة العصر “دفتر تحملات”، مثلا في المرجعية القرآنية نجد أن الدين جاء لتحقيق هذه المقاصد ونجد أن النبي الخاتم عليه الصلاة والسلام عنده ما يشبه “دفتر تحملات”. ويمكن أن نحصي كذا وستين وظيفة للنبي، وهي كلّها وظائف قابلة لأن نصنفها إلى مؤشرات وإلى معايير ومقاييس نُقَوِّمُ بها أداء الذين يدَّعون اتباع النبي؛ مثلا حين نجد في سورة الأعراف ..(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) (الأعراف: 157)

نحن الآن أمام ست وظائف، ثم نجد قوله تعالى (لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤوف رَّحِيمٌ) (التوبة:128)، أو نجد قوله سبحانه:(ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ) (البقرة: 129)، إذا ذهبنا نرصد سوف نصل إلى كذا ستين وظيفة فالذين يدَّعون أنهم يَدْعون إلى ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينبغي أن يتصفوا بهذه الآية وهي قوله تعالى: (قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي) (يوسف: 108)، هذه الدعوة على بصيرة، معناها أن ثمة استبصارا بهذه المفاصل والوظائف، وبهذه المحاور التي ذكرناها، وهي تحقيق الإسعاد، وتحقيق الإبصار، وتحقيق الفرقان، وتحقيق الميزان، وتحقيق التزكية، وتحقيق العمل والعمران والعيش المشترك والفعل والأداء المشترك حتى نحافظ على الأرض ،هذا المسكن المشترك، (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا) (الأعراف:56)، إلى غير ذلك من الـمُمْلَيَات التلقائية، والتي يمكن أن نجد لها نظائر  في كل المرجعيات التي تستند على الأبعاد القيمية والأبعاد الأخلاقية.

إذن إن نحن تحدَّثنا عن المستقبل وعالم المستقبل وفقيه المستقبل، فإنه ينبغي بالضرورة، أن يكون عندها فق للهندسة المقاصدية والغائية التي يقوم عليها الدين، لكي يكون ثمة ما ينبغي وما يلزم من القدرة على الاقتراح، وفق هذه المرجعية، بكل ما يقتضيه ذلك من إبداع، ومن روح مبادرة ومراعاة للسياق مع  أخذ بعين الاعتبار لجملة من المصافي (filtres)؛ المصفاة الأولى: الصحة وما دونها، والمصفاة الثانية: آليات الاستنباط والاستنطاق لهذه النصوص، المصفاة الثالثة: علم الواقع والسياق، المصفاة الرابعة: وهي في غاية الخطورة والأهمية وهي التشبيكات العقلية والوجدانية والنفسية التي ينبغي أن يتسم بها هذا الفقيه المستقبلي أو العالم المستقبلي، ذكرا كان أم أنثى، بمعنى أن إعادة النظر إلى أداءاتِنا بهذا الخصوص، وجب أن تسترجع مرة أخرى هذا الأصل الذي هو مراعاة المقاصد والكليات والغايات حتى يكون الأداء فيه الوظيفية والنجاعة اللتان تستندان إلى هذه الرؤية الكلية والى هذه الهندسة الشاملة والجامعة لمفهوم الدين ككل.

بريس تطوان: كيف ترون التجربة المغربية في مكافحة التطرف والعنف والإرهاب؟

تستمد مقاربة المملكة المغربية في الحقل الديني قوتها ودقتها من المبادئ والتعاليم الحقيقية للإسلام، مع الأخذ بالاعتبار النص والسياق  معا، بهدف تحصين المجتمع ضد كل أشكال التعصب والتطرف، التي تعرف عواقبها المأساوية.

وتعد إمارة المؤمنين هي المحور المركزي الضامن لنجاعة هذه المقاربة، فأمير المؤمنين، حفظه الله، هو الذي يترأس الشأن الديني في المملكة، وهذا ما يحصن من حدوث حالة من الفوضى في مجال الفتاوي، والتصريحات والمواقف ويطمئن  الفاعلين من جميع الاتجاهات.

ومنذ تولي مولانا أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، العرش، قام المغرب، بروية وتؤدة، بتفكيك الأطروحات الإيديولوجية المغلوطة للمجموعات المتطرفة بهدف فهم أفضل،ثم العمل الجاد لمكافحة بعض الظواهر التي تولّد العنف والتطرف الديني.

وينبغي التأكيد على أن مؤسسة إمارة المؤمنين قد قسمت المجال الديني إلى ستة ركائز كبرى، هي: مؤسسة إمارة المومنين؛ التي تعد السارية والعماد باعتبارها مؤسسة مشرفة دستوريا وتاريخيا وواقعيا على هذه المجالات كلها، فهناك المجلس العلمي الأعلى للقرب من المواطنات والمواطنين والحد من فوضى الفتاوى وتوجه الإرشاد، والرابطة المحمدية للعلماء كأكاديمية شرعية تبحث من خلال وحداتها البحثية الإحدى والعشرين على مظاهر القوة الاقتراحية والتكييف العلمي في مجال التعاطي مع قضايانا الحارقة والضاغطة في عصرنا الراهن من خلال تكوين المثقفين النظراء والعناية بالعلماء الوسطاء والباحثين والعلماء الرواد، وأيضا البعد الإداري والتدبيري والحكومي الذي تجسده وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، والبعد العلمي الذي تجسده جامعة القرويين في صيغتها الجديدة التي تستدمج وتضم دار الحديث والمعاهد الملكية العاملة في المجال الديني كلها، ثم الجانب المتصل بالبنى والأنساق التواصلية التزكوية والصوفية.

2- هذا على المستوى المحلي، ما هي امتدادات التجربة المغربية على المستويين الافريقي والعالمي؟

ميز أهل المغرب على الدوام بين الدين الإسلامي في صفائه، وبين ما كان يرافقه من شوائب دخيلة، لم يتم هضمهما وقبولها من قبل أهل هذا البلد، فالمغاربة باستقلالية قرارهم وبهندستهم الخاصة للحكامة، والمؤسسات الدينية، كان عندهم دوما نوع من الاستقلالية ولم يقبلوا تبعية قط.

هي إذن مقاربة تتسم بسمات “المقاربة الهندسية” و”التكاملية”، والمتتبع لاستراتيجية المغرب الجديدة تجاه الدول الإفريقية الشقيقة لاسيما في المجال الديني، يلحظ إقبال عدد من الدول الإفريقية على تجربة تدبير الشأن الديني بالمغرب،  ومرد ذلك إلى أمرين:

أولهما: شخصية مولانا أمير المؤمنين أيده الله، باعتباره وارثا لهذا الفضل، وحفيدا لمولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم،  متحملا أبا عن جد لهذه المهمة المتمثلة في حماية الملة والدين، وفق الثوابت المغربية التي نتقاسمها مع إخواننا في دول جنوب الصحراء.أما الأمر الثاني الذي حدابالدول الإفريقية الشقيقة إلى التعبير عن نيتها في الاستفادة من التجربة المغربية، يشفع ذلك، التراكم الذي توافر بفضل الله لدى المملكة في مجالات التدبير والحكامة والتكوين، والهيكلة للمؤسسات العاملة في الحقل الديني في الجانب المضموني.

بريس تطوان: في نظركم كيف تتوقعون إسهام الخطاب الديني في تعزيز الاستراتيجية المُثلى والمعتمدة للتصدي لظاهرة الإرهاب ؟

إن تهديد خطابات التطرف والعنف هو تهديد جادّ،  وهذه الديناميات السلبية التي باتت تُذِرُّ بقرنها في عالم اليوم، لا يمكن أن تواجَه إلا بنَفَس الحكمة والوعي واليقظة، وبنَفَس الكدح والمكابدة، ونفَس الإبداع والتجديد.

ولا يخفى أن المنافسة اليوم تتم في«حلبة» المضامين التي ينبغي العكوف على تعزيز بناء الإيجابي منها وتوضيحه، والسهر على تفكيك مقولات السلبي منها ونقضه؛ في تحديد للمفاهيم، ومراجعة شاملة للقضايا، والمناهج، تحصينا من ذرائع الزيغ والانحراف والجمود. وكذا إيجاد مقاربة نقدية للأسس التأويلية والاستنباطية التي يقوم عليها خطاب العنف والتطرف، والإحاطة بمحددات الفكر الإرهابي السوسيولوجية، والأنثروبولوجية، والجيوسياسية.

كما لا يفوتنا التنبيه إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي أضحت اليوم حلبة يدور فيها الصراع بشكل كبير، لذلك وجب الاشتغال من أجل إيجاد فرش مضموني بديل، يتم بالفاعلية والنجاعة، كما أن هذه المضامين التي يتحتم الترويج لها في مواقع ومنصات إلكترونية يجب أن تكون مركزة وواضحة ورسائلها بيّنة، وهو ما يحتاج إلى كثير من الحنكة عبر برامج جادة في مجال المعرفة والتعليم الديني على وجه الخصوص.

وهذا يتطلب ضمن ما يتطلب إعادة هندسة التكوينات وطريقة نقل المعارف، وبناء المصداقية بالإنتاج الرصين، إضافة إلى إحياء الكتب التراثية، من أجل تجلية الجوهر الصافي لديننا الحنيف، وتنقيته من الشوائب التي يروم إلصاقها به الغالون، والمبطلون، والجاهلون مصداقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين” رواه البيهقي.

ولا شك أن ما سبق يضع تحديات حقيقة على الفاعلين، وفي مقدمتها مجال التعليم الديني، الذي يحتاج فعلا اليوم إلى الاستمرار تحت قيادة مولانا أمير المؤمنين، حفظه الله، في تجاوز كل الانحباسات التي يمكن أن تقيّده، كالانحباس في الآفاق والغايات، وفي المفاهيم وفي البراديكمات، والانحباس الذي يمكن أن يصيب التكوينات المرتبطة به، والانحباس في الخطاب والمضمون المتداول فيه، والانحباس في أساليب ووسائل وآليات وحوامل هذا الخطاب، وهذا المضمون.


شاهد أيضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.