براءات وتشابه أسماء وتغير في تقييم الأدلة…تطورات التحقيق الإسباني في ملف النفق بين سبتة والمغرب تثير نقاشاً قانونياً حول مسار المتابعات

بريس تطوان 

تكشف المستجدات التي عرفها التحقيق القضائي الإسباني في القضية المرتبطة بالنفق بين سبتة المحتلة والمغرب عن معطيات جديدة تعيد إلى الواجهة نقاشاً قانونياً بشأن مدى حجية نتائج الأبحاث الأولية الأجنبية، وإمكانية الاستناد إليها كأساس لإجراءات أو متابعات قضائية داخل المغرب، في ظل ما شهدته هذه التحقيقات من تطورات لافتة مست هوية بعض المشتبه فيهم وتقييم الأدلة المنسوبة إليهم.

ومع تقدم التحقيقات أمام الجهات القضائية الإسبانية، اتضح أن عدداً من الأشخاص الذين وردت أسماؤهم خلال المراحل الأولى من البحث لم يعودوا ضمن دائرة المتابعة، بعدما تبين عدم كفاية الأدلة أو عدم وجود صلة تربطهم بالأفعال موضوع التحقيق. كما كشفت التحقيقات في حالات أخرى عن وجود تشابه في الأسماء أو أخطاء في تحديد الهوية، وهو ما أدى إلى تصحيح مسار البحث وإخلاء سبيل بعض الأشخاص بعد الاستماع إليهم.

وتؤكد هذه التطورات أن المعطيات التي تتضمنها محاضر البحث التمهيدي تظل بطبيعتها أولية وقابلة للمراجعة والتصحيح كلما ظهرت عناصر جديدة، وأنها لا ترقى، في حد ذاتها، إلى مرتبة الدليل القضائي النهائي الذي يمكن أن يؤسس وحده لإثبات المسؤولية الجنائية.

وفي المقابل، يثير استمرار بعض الإجراءات القضائية بالمغرب في حق أشخاص تغيرت وضعيتهم القانونية أمام القضاء الإسباني تساؤلات حول مدى مواكبة التطورات التي يعرفها الملف في الدولة التي انطلقت منها التحقيقات، ومدى انعكاس تلك المستجدات على تقييم الوضعية القانونية للأشخاص المعنيين.

وقد تم الاستماع إلى بعض الأشخاص الذين وردت أسماؤهم خلال المراحل الأولى من البحث أمام السلطات الإسبانية، غير أن الإجراءات المتخذة في حقهم انتهت إلى إخلاء سبيلهم، بعد أن تبين عدم توفر أدلة كافية تثبت تورطهم في الأفعال المنسوبة إليهم، أو بعد تصحيح معطيات مرتبطة بالهوية أو بدائرة الاشتباه. غير أنه، وبعد دخول بعض هؤلاء الأشخاص إلى التراب المغربي، فوجئوا باتخاذ إجراءات اعتقال في حقهم وإيداعهم السجن المحلي بتطوان، رغم أن وضعيتهم القانونية كانت قد تغيرت إثر انتهاء الإجراءات الأولية أمام الجهات القضائية الإسبانية دون الإبقاء عليهم رهن الاعتقال، وهو ما يطرح تساؤلات قانونية بشأن مدى استحضار المستجدات التي عرفها الملف أمام القضاء الإسباني عند اتخاذ القرارات القضائية داخل المغرب.

وتبرز إحدى أبرز مفارقات الملف في حالة أحد الأشخاص الذي سبق أن مثل أمام السلطات القضائية بمدينة سبتة، حيث أنجزت في حقه الإجراءات القانونية المتعلقة بالتحقيق، قبل أن يتم إخلاء سبيله بعد استكمال البحث، ليتفاجأ لاحقاً، عقب دخوله إلى المغرب، بمتابعته في حالة اعتقال وإيداعه السجن المحلي بتطوان. ويثير هذا المعطى نقاشاً قانونياً حول مدى تأثير تطور الملف أمام القضاء الإسباني على الإجراءات المتخذة في المغرب، خاصة في غياب أحكام قضائية نهائية تحسم الوقائع موضوع التحقيق.

ويرى عدد من المتخصصين في القانون أن التعاون القضائي الدولي يشكل إحدى أهم الآليات لمكافحة الجريمة المنظمة والجرائم العابرة للحدود، غير أن فعاليته تظل رهينة باحترام المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة، وفي مقدمتها قرينة البراءة، وحقوق الدفاع، وضرورة إخضاع جميع المعطيات المتبادلة عبر الإنابات القضائية أو طلبات المساعدة القضائية الدولية للتمحيص والتقييم القضائي المستقل قبل ترتيب أي آثار تمس بحرية الأشخاص أو مراكزهم القانونية.

كما أن ما أظهرته التحقيقات الإسبانية من تغير في تقييم بعض الأدلة، واستبعاد أسماء سبق إدراجها ضمن دائرة الاشتباه، وإخلاء سبيل عدد من الأشخاص بعد استكمال البحث، يؤكد أن مرحلة الاشتباه تختلف قانوناً عن مرحلة ثبوت المسؤولية الجنائية، وأن التحقيقات الأولية لا يمكن مساواتها بالأحكام القضائية النهائية التي تصدر بعد استنفاد جميع ضمانات المحاكمة.

ويذهب عدد من القانونيين إلى أن التعاون القضائي بين الدول لا يعني بالضرورة انتقال القيمة القانونية للأبحاث الأولية من نظام قضائي إلى آخر، إذ تبقى كل سلطة قضائية ملزمة بتقدير الأدلة وفقاً لقواعدها الوطنية، مع مراعاة أي معطيات أو تطورات جديدة قد تؤثر في المركز القانوني للأشخاص موضوع البحث.

وتعيد هذه المستجدات فتح النقاش حول حدود حجية الإنابات القضائية الدولية، ومدى إلزامية مواكبة القضاء الوطني للتطورات التي تعرفها الملفات أمام القضاء الأجنبي، خاصة عندما تؤدي تلك التطورات إلى تغيير وضعية بعض الأشخاص أو استبعادهم من دائرة الاتهام، بما يحقق التوازن بين متطلبات مكافحة الجريمة واحترام الحقوق والحريات وضمانات المحاكمة العادلة.

ويُذكر أن القضية تتعلق بتحقيقات باشرتها السلطات الإسبانية بشأن نفق مفترض يربط مدينة سبتة المحتلة بالتراب المغربي، في إطار الاشتباه في استغلاله في أنشطة مرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة. ولا تزال الأبحاث متواصلة أمام القضاء الإسباني، كما تستمر الإجراءات القضائية بالمغرب، دون صدور أحكام قضائية نهائية تحسم المسؤوليات الجنائية للأشخاص الذين شملتهم التحقيقات في كلا البلدين، الأمر الذي يجعل جميع الوقائع المطروحة خاضعة لمبدأ قرينة البراءة إلى حين صدور أحكام باتة.


شاهد أيضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.