بداية المصاعب المنذرة بالانحطاط في تطوان - بريس تطوان - أخبار تطوان

بداية المصاعب المنذرة بالانحطاط في تطوان

بريس تطوان

قوة اقتصادية مهددة

في نهاية القرن الثامن عشر، بدأت تطوان تعيش انحطاطا بنيويا بطيئا تعدى وقعه تلك التقلبات الظرفية التي تغلبت عليها المدينة دائما، ولقد ظهرت بوادر هذا الانحطاط الأولى خلال أعوام 1770 – 1780 في اعقاب القرار الذي اتخذه السلطان سيدي محمد بن عبد الله في 1770، والقاضي بطرد القناصل والتجار الأوربيين متذرعا بحجة واهية. ورجع هؤلاء بعد ذلك في عدد قليل، لما سمح لهم السلطان بالإقامة من جديد في تطوان سنة 1778، وهو رجوع لم يخل من محن، وأقام هؤلاء في طنجة التي تجمع أسوارها في ظرف حوالي خمس عشرة سنة، مجموع الممثلين الأوربيين المقيمين في المغرب، وهكذا بدأت تطوان تفقد، لصالح جارتها التي أصبحت منافسة لها أكثر فأكثر، دور العاصمة الديبلوماسية الذي غالبا ما اضطلعت به فيما مضى.

ولقد تأثرت حركة تطوان التجارية بهذا التغيير، وأستحوذ ميناءا العرائش وطنجة على حصة متزايدة من تجارة تطوان. وأدى بناء ميناء الصويرة (1764 – 1772)، والامتيازات التي خص بها، وإجبار السلطان تجار تطوان على الاستقرار في الصويرة، إلى تحويل جزء من تجارة أقصى شمال المغرب نحو الغرب، وتقلص المجال الداخلي للتجارة التطوانية، وكان بروز الموانئ الأطلسية والتحول الكبير الذي عرفته القوى الاقتصادية الشمالية الجنوبية نحو الغرب، هذه الثورة الكبرى التي ميزت تاريخ المغرب المعاصر بدات على حساب تطوان، ذلك المنفذ الكبير الذي ظل لمدة طويلة منفذ الشمال الوحيد، وكان تطور الجهاد البحري وتراجعه التدريجي إلى غاية زواله النهائي قد تم على حساب تطوان، ولم تستفد الحاضرة في الواقع من معاودة نشاط الجهاد البحري خلال عقدي 1820 – 1830.

ولقد تقهقرت تطوان من المرتبة الأولى بالنسبة للموانئ المغربية في سنوات 1760 إلى المرتبة الثانية خلال سنواتة 1780، ثم إلى المرتبة الثالثة في العقود الأولى من القرن التاسع عشر، وهكذا أصبح انحطاط تطوان البحري أمرا محتوما، وصارت منافع المرسى وخاصة مصب وادي مرتيل عوائق مع ترمل مصب النهر وازدياد حجم السفن. وكان هذا الانحطاط النسبي بلا شك بطيئا وتتخلله فترات انتعاش. فالحرب ما بين 1793 و 1814، والحصار الإنجليزي، مكنا سفن تطوان من فرص سانحة لتعويض السفن الفرنسية والإيطالية. ولم يحدث ابدا ارتادت السفن الصغرى المغربية،  ومعظمها من تطوان، الموانئ بهذا القدر.

وهكذا ففي ظرف اثنتي عشرة سنة، من 1797 إلى 1808، ثم إحصاء واحدة وتسعين سفينة دخلت إلى ميناء برشلونة، وثلاث وأربعين إلى سلو Salou و (لكن هذا العدد الأخير لا يشمل إلى ثلاث سنوات فقط)، أي مائة وأربعة وثلاثين مركبا في المجموع، بمعدل حوالي عشر سفن في كل سنة، غير أن هناك سفنا أخرى كانت تأتي إلى جنوة ولفرنة ولشبونة وقادس، وجبل طارق بطبيعة الحال كما هو الشأن دائما وأكثر من أي وقت مضى.

ولقد جنت الحاضرة أرباحا هامة من عملية تموين جبل طارق وتزويد الأسطول الإنجليزي بما يحتاج إليه، الشيء الذي مكن من إنماء الثروات وجمع الأموال وبرزت في اوليغارشيا العائلات التطوانية العتيقة حكومة أثرياء لها إمكانات هامة وأعمال مزدهرة اشترك في تسييرها المسلمون واليهود. ولقد أغنت موجة الرخاء بورجوازية عرفت كيف تتغلب على الأزمات بل واستفادات منها. وهكذا فخلال الفتور العام الذي عرفته التجارة المغربية ما بين 1800 و 1816، بدت تطوان وكانها الاستثناء، وتعتبر هذه الأعوام، في هذا الانحطاط البنيوي، انتعاشا قصير الأمد.

ومنذ هذه الفترة، ستجد تطوان نفسها في مواجهة منافسة طنجة وارتقائها الذي لا يقاوم، وأصبحت طنجة مقر إقامة كل القناصل العامين الأوربيين، والموضع الذي تروج فيه الأخبار باستمرار وبوفرة أكثر، وبعد نهاية النزاعات البحرية وعودة حرية عبور المضيق، استرجع موقع طنجة كل أهميته، واقترن تزايد حاجيات المدينة بتزايد الوسائل، وأدى تأسيس خط بحري يربط طنجة بجبل طارق بواسطة فلك رقاقيص إلى تحويل تلك العلاقات الممتازة التي ربطت الصخرة البريطانية بتطوان إلى جارة هذه الأخيرة ومنافستها.

وبقي نشاط المدينة “الصناعي” مهما، وشغل حوالي أربعة آلاف عامل، وهو عدد هائل بالنسبة لمدينة بلغ عدد سكانها آنذاك ما بين خمس وعشرين ألفا وثلاثين ألف نسمة، ويضاف إلى ما ذكر انتعاش قصير وظرفي مرتبط بالدور الذي قامت به تطوان كقاعدة تموين للقائد الجزائري الأمير عبد القادر. فلقد كان هذا الأخير يتزود بالأسلحة والذخيرة والمواد المصنوعة الضرورية في جبل طارق حيث كان له أعوان. وكانت هذه السلع تمر عبر تطوان، وبصفة عامة عبر فاس بعد ذلك، حيث يمر بعضها عبر فندقي النجارين والتطوانية.

ويمثل العقد الممتد ما بين 1835 و 1846 اخر عصر زاه عرفته الملحة قبل انحطاطها المحتوم، وما زال يدخل إلى الميناء آنذاك ما بين خمس وثلاثين وخمس وستين سفينة في السنة، وتبرز دراسة الحمولات استمرار مميزات أصيلة قديمة في هذه التجارة، كزيادة الواردات على الصادرات، وحركات العملة التي اكتست أهمية لا مثيل لها، وكذا الحصة الهامة للمادة الخام المرتبطة بالصناعة في المشتريات. وبالمقارنة مع الميناءين “الجديدين”، الجديدة والدار البيضاء خاصة، تبدو حركة ميناء تطوان التجارية نقيضة تامة لنشاط هذين الميناءين، بيد أنهما ذوا مستقبل.

وكانت الملاحة البخارية التي بدأت بارتياد الشواطئ المغربية خلال أعوام 1845 – 1850، ليتعمم انتشارها ما بين 1850 و 1865، قد ساهمت في ازدهار المراسي الطبيعية. وكانت السفن الشراعية تحبذ البواخر قادرة على التحكم في سيرها من عصف الريح وتلاطم الموج، في حين كانت البواخر قادرة على التحكم في سيرها عندما تردؤ أحوال الطقس، فمصاب الأنهار لم تكن تجذبها، بل على العكس إنها كانت تنفرها، ولقد نزل مرفأ تطوان إلى الرتبة الرابعة من بين الموانئ المغربية في سنوات 1840، ثم إلى الرتبة الخامسة خلال سنوات 1850.

وكانت أولى القنصليات الأوربية قد أسست في تطوان في منتصف القرن السابع عشر، وباستثناء القنصلية الإسبانية، ستحول كل هذه القنصليات إلى نيابات قنصلية، ثم ستزول في منتصف القرن التاسع عشر وستعوض بقائمين بالأعمال القنصلية من اليهود المغاربة.

ومن حالة لأخرى تبرز علامات تحول، هذا التحول الذي بعد أن أوصل المدينة إلى أوجها في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، سينذر بإنحطاطها، ولم تقم الحرب الإسبانية المغربية (1859 – 1860) إلا بتعجيل تغيير مرتقب، وهو تغيير عميق سيشمل الحياة السياسية أيضا.

العنوان: تطوان الحاضرة الأندلسية المغربية

المؤلفين: جون لوي مييج/امحمد بن عبود/نادية الرزيني

منشورات جمعية تطاون أسمير

(بريس تطوان)

يتبع

 


شاهد أيضا