الوطن قبل الانتخابات

نتابع، ومنذ عقود، كيف وصل بعض من يفترض أنهم يمثلون الشعب المغربي إلى قبة البرلمان، كما نتابع أداء بعض المسؤولين في الجماعات المحلية، فنشعر بالألم والاستفزاز والحسرة على ما آل إليه تدبير الشأن العام في بلد يستحق أفضل من ذلك بكثير.

كيف يعقل أن يكون من بين ممثلي الأمة من يجد صعوبة في التعبير السليم ولو بجملة واحدة، أو في قراءة وتحليل القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية، أو في استيعاب ما يطرح أمامه للنقاش والتصويت والمراجعة؟

إن الأمر ليس مسألة لغة أو أسلوب فقط، بل يتعلق بكفاءة من يتحمل مسؤولية التشريع والرقابة والدفاع عن مصالح ملايين المواطنين. فالبرلمان ليس مكانا للوجاهة الاجتماعية، ولا منصة لتحقيق الطموحات الشخصية، ولا مجالا لتبادل المصالح والنفوذ. إنه مؤسسة دستورية يفترض أن تضم نخبة قادرة على فهم قضايا الوطن والدفاع عنها بمسؤولية ووعي ونزاهة.

كيف يعقل أن تكون لأي مؤسسة، مهما كان حجمها، شروط علمية ومهنية وأخلاقية دقيقة لقبول موظف حتى تضمن نجاح مشاريعها، بينما لا نجد بالصرامة نفسها في اختيار من سيجلس تحت قبة البرلمان ويتخذ قرارات قد تؤثر في حاضر البلاد ومستقبلها؟

ألا يستحق الشعب المغربي أن يضع معايير حقيقية لاختيار من يمثله؟

نحن لا نقول إن الشهادة الجامعية وحدها هي معيار الكفاءة، ولكننا نطالب بأن يكون المرشح للبرلمان صاحب حد أدنى من المعرفة والقدرة على التحليل والاستيعاب والتواصل، إلى جانب النزاهة والاستقامة والكفاءة السياسية والأخلاقية.

والسؤال الأكبر: متى نضع حدا لتدخل المال والنفوذ في العملية الانتخابية؟

متى تصبح الانتخابات تنافساً بين البرامج والأفكار والكفاءات، وليس منافسة بين أصحاب الثروات والجاه والنفوذ؟
ومتى يصبح البرلمان المغربي فضاء سياسيا وفكريا حقيقيا، تلتقي فيه مختلف القوى الوطنية من أجل البحث عن أفضل الحلول للوطن والمواطن، بدلا من أن يتحول إلى فضاء تتقاطع فيه المصالح الشخصية والاقتصادية والعائلية؟
لا يمكن لوطن أن يتقدم ويزدهر، ولا يمكن لمواطنيه أن يشعروا بالأمن والأمان والأمل، إذا كان بعض من يتولى مسؤولية تدبير شؤونه لا ينظر إلا إلى مصالحه الخاصة ومصالح محيطه.

لا يمكن أن نطالب الشعب بالثقة في المؤسسات، بينما يرى المواطن أن بعض من وصلوا إليها لم يصلوا إليها بالكفاءة والجدارة، وإنما بالمال والنفوذ والعلاقات.

والأخطر من ذلك هو شراء الأصوات واستعمال المال غير المشروع للتأثير في إرادة الناخبين. فهذا، إن ثبت بالدليل، ليس مجرد تجاوز انتخابي عابر، بل اعتداء على إرادة الشعب وعلى الديمقراطية وعلى المؤسسات، ويجب أن يخضع مرتكبوه للمساءلة القانونية، مهما كانت مكانتهم أو نفوذهم.

فالبرلمان يجب أن يكون بيتا للشعب، لا بيتا لأصحاب المصالح.

نريد برلمانا يضم رجال ونساء الفكر والكفاءة والنزاهة، أشخاصاً يحملون هم الوطن قبل هم الحزب، وهم المواطن قبل هم الأقارب والمصالح الخاصة.

نريد نائبا عندما يتحدث، يشعر المواطن أنه يتحدث باسمه. وعندما يصوت، يعرف لماذا يصوّت. وعندما يراقب الحكومة، يفعل ذلك دفاعا عن المصلحة العامة، لا بحثا عن موقع أو امتياز.

إن اختيار ممثلي الشعب ليس تفصيلا انتخابيا ، بل قضية تتعلق بمستقبل الوطن كله.

فإذا أحسنا اختيار من يمثلنا، وضعنا خطوة أساسية على طريق الإصلاح. وإذا تركنا المال والنفوذ والمصالح الخاصة تتحكم في البرلمان، فإننا لا نختار فقط أشخاصا لولاية انتخابية، بل نغامر بمستقبل بلد بأكمله.

الوطن أكبر من الأشخاص، والبرلمان أكبر من الأحزاب، ومصلحة الشعب يجب أن تكون فوق كل مصلحة.


شاهد أيضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.