النظام المعرفي الذي نريد! - بريس تطوان - أخبار تطوان

النظام المعرفي الذي نريد!

تمثل المسألة الفكرية والمعرفية إحدى المرتكزات المهمة في عالم الشهود الحضاري على الناس لدى أمة ما؛ إذ تتباهى بما لها من مشاريع علمية ومعرفية ورأسمال بشري منتج لمعرفة ناهضة ومتجددة ومساهمة في التحدي النهضوي والريادة الحضارية، وتتسارع لديها وتيرة الإسهام الفكري والمعرفي إلى جانب التقني والآلي والإجرائي، وتحتضن المبادرات والمشاريع الحاملة للتوجه والرؤية والهوية والطموح الحضاري ذاتها، متوسلة في ذلك بضخ أموال ضخمة على البحث العلمي الجاد والدراسات الموجهة والإستراتيجية، ورعاية المتفوقين، وخلق مجالات بحثية متعددة، وإبداع آليات خلاقة تنسجم والقيمة النوعية لتلك الأمة في محيطها الجغرافي وموقعها الحضاري في العالم.

إن الظن بأولوية تقدير المنتج المعرفي للجامعة وتطوير بناء الرأسمال المعرفي -الذي تراجع لصالح المهننة والخوصصة- يقع في صلب رغبتنا في وجود مؤسسات جامعية تقدم نظاما معرفيا أصيلا ومعاصرا، تراثيا ومتجددا، دونما فصام في المنهج والرؤية والمقصد والوسائل، نظاما يحتفي برموز الفكر ومهندسي خارطة الإدراك المعرفي ونحاتي المعمار الفكري لأمتنا ووطننا، ويوفر كراسي علمية لأفكارهم ومشاريعهم وإسهاماتهم (كرسي الإمام الغزالي، كرسي ابن سينا، كرسي المختار السوسي، كرسي علال الفاسي، كرسي إدوارد سعيد، كرسي عبد الوهاب المسيري، كرسي عبد الهادي بوطالب، كرسي المهدي المنجرة، كرسي طه عبد الرحمن، كرسي راجي الفاروقي، كرسي عبد الله العروي)، وبالتالي تسهم هذه الأخيرة في تخريج نخبة مثقفة تنزل هموم الفكر إلى رحاب الساحة المجتمعية والعلمية والسياسية، وتشغل الرأي العام بهمّ الانخراط في حمل رسالة الفكر وتجديد اللقاء مع “المعرفة” الأمينة على تاريخ وذاكرة الأمة، والحاضنة لكيان المجتمع وهويته، والمحققة لجانب من وجوده، والداعية إلى الانفتاح بمسؤولية وبوعي مطابق على مكتسبات الحضارة الإنسانية، والمحضة على حسن التفاعل مع التراكم الحاصل على مستوى الإنتاج العلمي والأدبي والفكري والأكاديمي القائم على المستوى العالمي.

إن خيارا من مثل هذا القبيل من شأنه أن يدفع بالشباب الباحثين إلى اجتراح مسارات نوعية في اكتساب وإنتاج معرفة منخرطة في قضايا التحول التاريخي، الذي تعيشه المنطقة العربية، توجه الفعالية العلمية والبحثية إلى الإنصات لمقومات وخصوصيات العالم العربي وحضاراته وشعوبه وتاريخه. إن الشعارات والمطالب التي ترفع من حين لآخر ضمن هذا المقام لتعبر عن رغبتنا في إقامة صرح معرفة نافعة موصلة إلى الحقيقة، قائمة على مبادئ وقيم ومثل عليا، محاورة للمنتج الغربي والشرقي، ومجاوزة له إبداعا وكسبا، تكون في الآن ذاته جسرا نحو الحرية والكرامة واستقلال الأمة بأجوبتها العلمية والفلسفية والفكرية والحضارية الكبرى.

فالعلم والمعرفة يضطلعان بدور كبير في ترسيخ النباهة الفردية والدراية الاجتماعية، ويعززان حزمة القيم السامية، ويحافظان على الخصوصيات الحضارية لكيان ما، وتقوم الجامعة بتمتين ارتباط خريجيها بمثل هذه المعاني. أما أن تقتصر الجامعة على أداء الدور التقليدي المتمثل في توفير الحد الأدنى من المعرفة، التي تؤهل الطلاب للحصول على الشواهد والوظائف، فإن ذلك لن يتعدى دور (الوسيط) أو (الماحي للأمية الثانية) لا دور الناهض بالإنسان والمعارف والأوطان. إننا نريد خريجين باحثين أكفاء، منتجين للمعرفة لا مكتسبين لها فقط، مبادرين بالانخراط في الإجابة عن الأسئلة المقلقة لا منسحبين من النقاش العمومي.

وعليه؛ فإن استعادة الجامعة وخريجيها لدورهم الحضاري في إنتاج معرفة قائدة لقاطرة التنمية، ومعبرة عن عمق لحظة التحول الديمقراطي، ومساهمة في رسم إستراتيجيات الانتقال العسيرة في المنطقة، ودافعة في اتجاه تمليك الإنسان لكامل الحرية والكرامة والسيادة؛ لهي السبيل لتأطير ومواكبة مشاريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، وهي الآلية المناسبة للحد من عوائق التقدم، ولبعث فعالية جديدة صوب مسار الكسب الفكري والعطاء العلمي والتجدد الذاتي والنهوض الحضاري للأمة.

“الباحثون؛ أول شيء يطلبونه هو الحرية”، عبارة حفظها التاريخ عن رمز من رموز العطاء المعرفي والفكري، العالم العامل، المفكر الراحل المهدي المنجرة (13 مارس/آذار 1933–13 يونيو/حزيران 2014)، الذي جسد -بمواقفه وفكره وغزارة إنتاجه واستقلاليته- سيرة ملهمة للباحثين، ومسيرة طويلة متميزة بالالتصاق بقضايا الحريات العامة وحقوق الإنسان ومواجهة بغي السلطة وزيغ الثروة وشطط العلم المنفصل عن القيم وآفاق التغيير السياسي والاجتماعي والفكري في العالم. هذا الرجل الذي باستحضاره وأمثاله نعطي معنى لمطلب “المعرفة التي نريد”. فقد قضى الراحل حينا من الدهر يعمل ويكتب ويحاضر حول إشكالات إنهاء الصدع الاستعماري في العالم بين دول الشمال ودول الجنوب، عن طريق التنمية ومحاربة الأمية، ودعم البحث العلمي وتقدير المبدعين الشباب، واستعمال اللغة الأم، وصيانة الذاكرة التاريخية والمقومات الثقافية للعرب، واستنفار العالم العربي من أجل التغيير، واستعادة الحرية وزمام المبادرة والاعتبار بالدراسات المستقبلية، فهذا المشوار العامر والقضايا المركزية التي اشتغل عليها المهدي؛ هما ما وصفه بالمعرفة المنتجة، المعرفة المشاركة أو الصناعة الثقيلة للفكر.

فحرية البحث العلمي حق مقدس لا يمكن المساس به في أي حال من الأحوال، سواء من خلال تقييد حرية تناول المواضيع، أو وضع العراقيل للحد من حرية الولوج للمعلومة، أو التعلل بالسر المهني، أو حشو المناهج والبرامج الدراسية بما لا يخدم الحقيقة، فالبحث العلمي لا يمكن أن ينتج ويؤدي وظيفته التنويرية؛ إلا من خلال إقرار أجواء من الحرية. فالعلم هو سبيل التحرر من كل أشكال القهر والاستبداد المعنوي والمادي. وإنه لا حرية بلا تحرير المعرفة من كل أشكال التبعية لجهاز استبدادي، أو سيطرة مخزنية أو بيروقراطية أو أيديولوجية أو حزبية أو تنظيمية أو تراثية انغلاقية، ولا أفق لمعرفة فاقدة لكرامة الانتماء إلى هوية الأمة ونبضها ورسالتها، وغير قادرة على إنشاء فضاءات لحرية التعبير والتفكير والضمير والتغيير.

وأي دعوة للفصل بين المعرفة والعلم والحرية والكرامة والاستقلالية؛ فصل نكد لا توافق عليه فطرة الإنسان وشرعة الرحمن وشواهد التاريخ وحقائق الزمان. فالتفكير في مثل ذاك الفصام النكد في الرؤية، هو الذي يبقي على الجامعة والنخب والباحثين من دعاة فصل تلك القيم والاختيارات المصيرية عن العلم والمعرفة في دائرة “الأفكار القاتلة” بتعبير مالك بن نبي رحمه الله. لذلك، فجانب من النظام المعرفي الذي نريده نتوجه رأسا بالتذكير بضرورته وراهنيته إلى الباحثين الشباب أولا، وإلى النخب العلمية والفكرية والسياسية ومسؤولي الجامعات والسادة الأساتذة الجامعيين ومراكز البحوث ووحدات التكوين، قاصدين انتزاع موقف جاد ومسؤول منهم تجاه واقع المعرفة بجامعاتنا، وواقع إنتاجها وإدارتها وإعادة توزيعها العادل ودمقرطتها في سياق عربي مستوعب لدوره المعرفي الثقافي إلى جانب السياسي والاجتماعي في ظل موجة الانتقال الديمقراطي.

وحاصل القول، في تقديرنا إن مقتضى تسلم الجامعة وخريجيها والباحثين المنتسبين إليها لزمام النهوض الحضاري يوجبه إصلاحها بنية وتكوينا ووظيفة وأطرا، واضطلاعها بوظائفها الإستراتيجية في إنتاج فكر فعال وإبداع معرفة نسقية ملتزمة بقضايا المجتمع والأمة، ومعاصرة، وأن تجعل “الإنسان” -بأفق حضاري تنموي- في متن اهتماماتها المتوجبة ربط العلاقة بين الذات العارفة والموضوع المعروف.

إنها دعوة واعية وعاجلة إلى ضرورة المساهمة مع الغير على توفير نظام معرفي يستفيد من إنجازات تراثنا العلمي، ومن إبداعات الغرب والشرق العلمية؛ لكنه يتحرر من “سلطتها” ويتجاوزها بعملية تجديدية إبداعية؛ لا تراكمية كمية فحسب، نعم؛ نظام معرفي جامعي يجمع بين علوم الخبر وعلوم المختبر -بتعبير المسيري- نظام معرفي يجعل المعرفة بالحقائق والمعلومات طريقا معبدا لتحقيق القيم العليا والغايات، نظام معرفي يرصد المشكلات العامة ويضبط أهم المتغيرات ويحولها إلى ظواهر تدرس، ومن ثم يدرجها في البرامج التربوية والتكوينية، نظام معرفي يبني معرفة غير منتهية الصلاحية التاريخية؛ بل متفاعلة متجددة وإدراكية، تدرك المجال والزمن وتتفاعل معهما بما لا يجعلها منفصلة عن ديناميات حركة التاريخ والمجتمع، معرفة تدرك ضرورة ردم الخصومة القائمة بين المعرفة العالمة و”الثقافة الشعبية.

إننا نسعى إلى توجيه الجهد والعزم الجمعي والطاقات الكامنة والظاهرة إلى ضرورة “إنماء الفكر الفعال والمعرفة البانية”، وتشجيع باحثين يشيدون معرفة حية تشكل لبنة متينة في جدار البيت المعرفي العالمي، وتولي الإصلاح الفكري والعلمي من الجهد والعناية، ونولي لها الشيء الكثير سيرا على خطى الأمم الناهضة والرائدة.


شاهد أيضا