" المُوتْ دْيَالْ الضَّحْكْ" - بريس تطوان - أخبار تطوان

” المُوتْ دْيَالْ الضَّحْكْ”

قسَمَ يقسِم، قَسْمًا، فهو قاسِمْ، والمفعول مَقْسوم.

اقتسمَ يقْتَسِم، اقْتِسامًا، فهو مُقْتَسِم، والمفعول مُقْتَسَم.

اقتسم الإخوةُ الميراثَ أخذ كلُّ واحدٍ نصيبَه منه .

اقتسم العمارةَ مع إخوته – اقتسم الورثةُ تركةَ المتوفَّى.

هذا ليس درسا جديدا ولا جوابا على سؤال في مادة اللغة العربية، وإنما اجتهاد خاص في موضوع أثار فضولي خلال الفترة الأخيرة، حيث وجدت نفسي فجأة أتصفح القاموس العربي لفهم وإدراك المعنى الحقيقي لعبارة “القَاسِمْ” التي أصبحت تتردد كثيرا داخل الأوساط السياسية، عبارة صارت مثار جدال ونقاش بين المخططين السياسيين والمنظرين للخريطة الحزبية بالبلد، وتتصدر جدول أعمال الأحزاب السياسية وخرجاتها الإعلامية.

لا أخفيكم أنني تفاجأت في الوهلة الأولى من الأهمية التي أعطيت للموضوع، لأن الأهم بنظري في الظرف الحالي ليس مناقشة طريقة التصويت والبحث عن سبل استغلال أصوات الناخبين، وإنما انكباب جميع الأحزاب على إعداد البرامج الانتخابية التي من شأنها إخراج البلاد والعباد من الأزمة الاقتصادية والاحتقان الاجتماعي.

لكن بعد فهمي لمعنى القاسم الانتخابي من الناحية اللغوية وإدراكي للسيناريو المقترح حول طريقة التصويت المعتمدة خلال الانتخابات التشريعية 2021، وربط الأمر بمصادقة جل الأحزاب السياسية على اعتماد هذا النمط من التصويت، أدركت حينها هول وأهمية الموضوع.

وحتى لا أتورط في متاهة الربط بين الجانب اللغوي والسياسي لموضوع “القاسم الانتخابي”، اخترت الاعتماد الكلي على القاموس العربي مكتفيا فقط باستخراج الجملة الفعلية المتكونة من الفعل والفاعل والمفعول به، وهي : قَسَمَ القاسِمُ المقْسُومَ أو اقْتَسَمَ المُقْتَسِمُ المُقْتَسَمَ، أي اقتسمت الأحزاب أصوات المسجلين، المصوتين منهم والمقاطعين.

يتضح ذلك من خلال شرح  معنى “القَاسِمْ الانتخابي” من الناحية السياسية والذي سأسرده عليكم بطريقة مبسطة كما نقلته حرفيا عن إحدى الصفحات الفايسبوكية :

لنفترض دائرة انتخابية عدد المسجلين فيها 80000 مواطن صوت منهم 40000 مصوت.

وتتنافس 5 أحزاب على 4 مقاعد، فكانت النتائج على الشكل التالي :

– حزب 1 : حصل على 20000صوت

– حزب 2 : حصل على 10000 صوت

– حزب 3: حصل على 5000 صوت

– حزب 4 : حصل على 3000 صوت

– حزب 5 : حصل على 2000 صوت

في الانتخابات السابقة كانت تتم قسمة عدد المصوتين على عدد المقاعد لتحديد الفائزين، فتكون على الشكل التالي:

40000 صوت على 4 مقاعد  =10000، أي 10000 صوت يساوي مقعد. وبالتالي الحزب 1  يحصل على مقعدين، والحزب 2 على مقعد واحد،  والمقعد الرابع للحزب 3 باعتباره حصل على اكبر  بقية، ولن يحصل الحزبان 4 و5 على أي مقعد.

أما بعد اعتماد القاسم الانتخابي الجديد، يتم احتساب عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية، وبالتالي يكون القاسم على الشكل التالي :

 80000مسجل على 4 مقاعد = 20000، وهو ما يوازي مقعد واحد.

وبناءً على نفس النتائج السابقة أعلاه فإن الحزب 1 لن يحصل إلا على مقعد واحد بدل مقعدين، فيما ستحصل الأحزاب  2 و 3 و 4 على مقعد لكل واحد منهم باعتماد تقنية أكبر بقية المعمول بها في الانتخابات المغربية، رغم انهم لم يبلغوا القاسم الانتخابي (20000 صوت) .

وبالتالي، سيتساوى الحزب الذي حصل على20000 صوت مع الحزب الذي حصل على3000 صوت.

لم أجد من تعليق أعبر به عن عبقرية مخرجي هذا السيناريو الانتخابي سوى بالعنوان المشار إليه أعلاه ” المُوتْ دْيَالْ الضَّحْكْ”وهي عبارة عامية نرددها كثيرا دون الاكتراث إلى التناقض الصارخ بين مفرداتها، فكيف لنا أن نجمع بين الموت والضحك؟ إلا أن بعض المواقف والقضايا الساخرة تجعلنا نجمع بين كل المتناقضات.

كيف لا وأصوات الناخبين لم تعد تمثل توجها معينا أو رغبة في الإصلاح أو أملا في التغيير أو محاسبة للمسؤولين، وإنما مجرد تركة تتهافت كل الأحزاب على اقتسامها وأخذ قسط منها سواء بالطريقة الديمقراطية أو بالترامي عليها.

إن القاسم الانتخابي الجديد سيساهم لا محالة في اقتسام كعكة أصوات الناخبين والاستفادة حتى من عزوف المقاطعين، وسيمكن أكبر عدد ممكن من الأحزاب من نيل حصته دون استقواء أي أحد منهم على الآخر بحكمالتقارب المحتمل في عدد المقاعد المحصل عليها، لأنهم يدركون جيدا أن الأهم يبدأ بعد انتهاء عملية التصويت والدخول في مرحلة التشاور، حيث يتم تجاوز إرادة الناخب والدخول في إطار آخر يحكمه ويدبره مهندسو الانتخابات من جهة والتحالفات الحزبية من جهة ثانية.

ظاهريا صوت حزب العدالة والتنمية ضد القاسم الانتخابي الجديد لإحساسه بأنه المستهدف الأول من هذا النمط الاقتراعي، لكن حسب تخميني السياسي المتواضع سيكون الحزب أكبر مستفيد، كونه سيضمن تمثيلية محترمة كباقي الأحزاب ولن يتعرض للسقطة الكبرى بعد العشر سنوات العجاف التي قضاها على رأس الحكومة وقراراته السياسية التي أتت على الأخضر واليابس، حيث لعب دور الكومبارس الذي حرث الشوك وأكل الثوم الذي لم يجرأ عليه باقي الأحزاب من قبله، مكتفيا بالاجتهاد في رفع نسبة المظلومية والتحجج بمواجهة التماسيح والعفاريت التي لم تترك له مجال الاشتغال، وكأن الحكومات التي سبقته كانت طريقها معبدة.

أمام هذا السيناريو الاقتراعي الجديد بدأت بعض الأصواتتنادي بمقاطعة الانتخابات وقطع الطريق أمام استغلال أصوات الناخبين وحتى أسماء المسجلين في اللوائح الانتخابية العازفين عن التصويت، وهو موقف لن يزيد  من وجهة نظري المشهد السياسي إلا غموضا واستغلالا، بالمقابل أقترح نهج المبدأ الرياضي القائم على أن أحسن أسلوب للدفاع هو الهجوم، أي التصويت بكثافة مع الاعتماد على استراتيجية وبرنامج الناخب وليس برامج الأحزاب، كيف ؟

منذ الاستقلال إلى يومنا هذا جربنا كل الأحزاب بمختلف توجهاتها وبرامجها وشعاراتها، فلم يزداد حال البلد إلا سوءا، وكل الأحزاب التي فشلت في تدبير الشأن العام علقت شماعة فشلها في أغلب الأحيان على عدو مجهول لا يُرى ولا يُسمع، تارة سموه بجيوب المقاومة وتارة أخرى بالتماسيح والعفاريت.

وحتى لا نلدغ من الجحر مرتين، أرى من الأجدر التحالف مباشرة مع العفاريت والتماسيح والتصويت عليهم قصد تحميلهم المسؤولية كاملة ودفعهم لخدمة البلدوإنقاد ما يمكن إنقاذه.

بالتأكيد ستطرح بعض الأسئلة، من قبيل :

– س : من أين لنا أن نعرف التماسيح والعفاريت لنصوت عليهم؟

– ج : ستتوضح معالمهم وتكشف أسماؤهم قبيل الانتخابات.

– س : ما هي برامجهم؟

– ج : تطبيق تعليمات من دفعوا بهم إلى الأمام.

– س : ما هو شعارهم ؟

– ج : اسمع ونفذ.

بهذه الطريقة سنقطع الطريق أمام أصحاب القرار الحقيقيين على معاقبة الناخبين على اختياراتهم، وسنتحالف معهم في وضع الخريطة السياسية المرغوب فيها داخليا وخارجيا، بالمقابل ستعمل هذين الجبهتين الداخلية والخارجية على بدل كل ما بوسعها لتبرز لنا تطورا وتحولا كبيرين على جميع الأصعدة مقارنة بالعشر سنوات الأخيرة التي أُحْبِطت فيها آمال كل المغاربة في التغيير، بل زادت الوضع سوءا وتدهورا، كما ستحرص هاتين الجبهتين على إبراز سخط وتأفف المغاربة كلما ذكر إسم العدالة والتنمية.

من الآن يجب علينا الانتباه والانخراط في التوجه المراد الوصول إليه على مستوى هندسة الخريطة السياسية والحزب الذي سيترأس الحكومة المقبلة، لأنه ببساطة ليس لدينا ما نخسره جراء هذا الاختيار، فنحن لا نريد حكومة تشتكي كالمواطن العادي من العراقيل والاكراهات، وتبرر ما كانت تعارضه بالأمس ولا تستقوي إلا على المستضعفين ولا تملك سلطة قرارها، بل نريد حكومة فاعلة وليس مفعول بها.

لا أخفيكم في الأخير سروري بأن أردد بدوري عبارة ” الموت ديال الضحك” بخصوص السناريو المحبوك الذي توافقت عليه جل الأحزاب السياسية جراء تصويتها على قانون القاسم الانتخابي الجديد، الذي سيقطع بالتأكيد الطريق أمام حزب العدالة والتنمية، ليس لقوته أو شعبيته، وإنما لتوفره على قاعدة مصوتة ضعيفة لكنها قارة، فيما باقي الكتلة الناخبة إما مقاطعة لعملية الاقتراع برمتها أو أصواتها متفرقة.

وفي حال نجاح هذا السيناريو المحبوك سينطبق على حزب العدالة والتنمية المثل الشعبي الجبليالقائل ” لا شريحة لا ……صحيحة” أي لا هو أوفى بوعوده أمام ناخبيه ولا هو كسب ود المتحالفين معه ولا هو وضع المفاتيح وخرج معززا مكرما رافعا رأسه، وهذا جزاء من يستحلي الكراسي وينسى وعوده ومبادئه.


شاهد أيضا