المعاجم السفلية واللغات المتعالية... من شعار الفصيح إلى حضن اللسان الكسيح... - بريس تطوان - أخبار تطوان

المعاجم السفلية واللغات المتعالية… من شعار الفصيح إلى حضن اللسان الكسيح…

من أقوى المفارقات المزمنة التي تستوطن بعض الخطابات الهوياتية المتسربلة في العباءات القدسية الذود عن العربية كلغة متعالية، حاملة للمقدس، ناطقة بالغيب، مبجلة من لدن المؤمنين بالعقيدة التي تنطق بها، حيث كلما حلت مناسبة سياسية أو نقاش حول اللغات الوطنية ودورها في التنمية الفكرية والثقافية والاجتماعية إلا وحلت “لعنة” “سب” وتكفير ونبذ اللغات التي يعبر بها الناس في الشارع، في البيت، في الاعراس، في الحمامات، في المآثم، ويتلو ذلك صياغة صكوك التغريب والزندقة والتهجين في حق كل من تجرأ حتى على طرح سؤال لغات التدريس وعلاقتها باللغة الام لدى المغاربة..
هكذا كان لفصيل مهم من النخبة السياسية المنافحة عن الهوية بالمعتقد الديني دور مهم في محو اللغات الوطنية من كل نقاش مؤسساتي “الأمازيغية والدارجات المغربية” والتشبت فقط بالعربية الفصيحة كلغة رسمية للدولة ومؤسساتها، واعتبار كل من ينادي بغير ذلك “غراب أعور” ينعق في الفيافي والقفار، وجب لعنه ونبذه، والتصدي له بكل الاساليب المتاحة حتى يصمت أو يغادر إلى رقعة بعيدة من أرض الله الواسعة…
لكن عندما تقرع ساعة الحقيقة أجراسها، نكتشف أن هؤلاء لا علاقة لهم البثة لا بالعربية الفصيحة التي يبجلها المغاربة، ولا بالأمازيغية التي تشكل الهوية الاساس للذات واللسان المغربيين، بل إن همهم الوحيد هو امتطاء هذا الشعار الإيديولوجي العريض قصد الوصول إلى كراسي الحكم من خلال تملق وجدان الناس الديني، ومداعبة حبهم للغة القرآن، وذلك لاستمالتهم لأطروحاتهم السياسية التي لها علاقة بالرغبة في الهيمنة على المجتمع والدولة معا….
الحقيقة الساطعة هي أن اللغة العربية لا وجود لها في قاموس هؤلاء، لا يستعلمونها إلا في المناسبات الدينية التي تقترن بالحضور المكثف للمغاربة لشد انتباههم والتاثير العاطفي في نفوسهم، وتسهيل عملية تغيير وجدانهم خدمة لطموحاتهم السياسية البعيدة المدى… الحضور اللغوي القوي الذي يرسخونه هو لغة الرصيف الساقط، معاجم الفتوة، قواميس الهواش الموغلة في التهميش والغضب والحقد الدفين، أي أن اللغة التي يفكرون بها ويتحدثون بها في حقيقة كيانهم هي في اسفل السلم التداولي، ليست بدارجة معتدلة، ولا بدارجة فصيحة كفصاحة متون الطيب لعلج والصديقي وشهرمان وشعر الملحون، ولا حتى دارجة أزقة المدن التقليدية المغربية، بل إنها خليط غريب من الكلمات شبيه بلسان ثمل يميل يمنة وشمالا حسب أهواء النفس المسكونة بالفصام وعدم الاستقرار…
لهذا بات من الواضح الآن أن العربية الفصيحة لا يحبها من يركبها وسيلة للوصول إلى الكراسي المخملية، ولا ينافح عنها المتأدلجون الراغبون في السيطرة على مفاصل السلطة، بل ينافح عنها الشعراء والأدباء والمفكرون وكل اولئك الذين لا أهداف اخرى تنسيهم هدفهم الاسمى؛ أي البناء الفكري والثقافي لمجتمعنا…
لقد عانت الدارجات المغربية والأمازيغية طويلا من هذا الحيف باسم الرفع من مكانة العربية الفصيحة، لكن اليوم نكتشف انحطاط القواميس التي سنها بعض من المحسوبين على حماية العربية الفصيحة من خلال انزلاقهم المستمر إلى الأرصفة الموبوءة لإلتقاط بعض المصطلحات الصدئة، والالفاظ النتنة لبثها سموما في الحقل التداولي السياسي المغربي منذ بعيد ربيع هادر ابتلي بالتزوير والبهتان وغدا بحيرة آسنة تفرخ فيها السلاحف والضفادع حيث لا يسمع منها سوى النقيق وغيره من الاصوات المخيفة والمقرفة.


شاهد أيضا