المسار العلمي وسلبيات الاعتبارات الذاتية في المجال الجامعي - بريس تطوان - أخبار تطوان

المسار العلمي وسلبيات الاعتبارات الذاتية في المجال الجامعي

أولا: مصادرة الأمور العلمية وإسنادها إلى غير مختصيها

قد يقف الكثير من الإسقاطيين أو ذوي الرؤية القاصرة والمحصورة عند قول النبي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: “إذا وسّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة[1]

فلا يرون معنى لهذا التوسيد سوى في باب السياسة أو الحكم والمسؤولية الظاهرية والمدركة عموما، لكن في نظرنا أن الأخطر ما في هذا التوسيد هو من باب العلم والتعليم لأنه من خلاله تترتب جميع المسؤوليات ،ومن حقله يتخرج الحاكم والمحكوم، وبحسبه يتحدد مستوى العلاقات العامة ومدى مطابقتها والتزامها بالحق أو عدم التزامها، إذ لا يوجد في العالم من نصّب على شعب أو أمة كحاكم جاهل جهلا مطبقا، بمعنى أنه لا يملك من العلوم أيها كانت شيئا يذكر، إذ لا بد وأن يكون له إلمام أو اطلاع على معلومات معينة يستطيع من خلالها أن يبرز ما يشبه الكفاءة أو توقّعها لتحمل مسؤولية ما، أما جاهل جهلا مطبقا إضافة إلى الأمية اللغوية أو المعرفية، فهذا ما لا يمكن تصوره في أية أمة أو دولة أو حتى لدى مسؤول محلي، اللهم إلا ما أخذت تفرزه وتنتجه لنا الأنظمة المدعية للديمقراطية مما يصطلح عليه بدول العالم الثالث من نماذج جاهلة جهلا مطبقا علميا وأخلاقيا، لمع نجمها بالاقتراع الأكثر جاهلية من جهلاء مثلها، فأنتج الجهل جهلا مركبا، ووسدت حينئذ المسؤولية إلى أهلها من الجهلاء، لأنهم جنسهم الذين انتخبوهم حتى أوصلوهم إلى درجة من درجات المسؤولية العامة بحسب طموح هؤلاء الجهلاء المنتخبين وبحسب غباوة منتخبيهم، فتحقق فيهم قول الشاعر:

قــال حمــار الحكــيم يوما               لو أنصف الدهر كنت أركــــب

لأني جــاهـــل بـسـيــط                 وصــاحـبـي جهــلــه مركــــب

جهلت وما تدري بأنك جاهل                ومن لي بأن تدري بأنك لا تدري

وحينما نقول بأن المسؤولية في هذه الحالة قد وسدت إلى أهلها بحسب المقياس الديموقراطي فذلك لمقتضى المناسبة بين الجهلاء، سواء الناخب أو المنتخب، المسؤول أو المسؤول عنه.أما المسؤولية الموسدة إلى غير أهلها فتكون حينئذ أن يرشّح العالم جاهلا يتحمل المسؤولية عنه، إذ هنا سيكون الصراع حادا ومحتدما بين الطرفين. لأن صحوة العلم وجذوته لا تتحمل ظلمة الجهل وظلمه، وبالتالي تقوم القيامة ويكثر الاصطدام بين أهل العلم المستنير وبين أهل الجهل المظلم المبير!

وهذا المشكل ناتج عن التأسيس العلمي الأولي للأمة، لأنه حينما ينقطع السند العلمي كما عبر عنه ابن خلدون سيغلف الجهل برداء العلم، وستوسد صفة العالمية إلى غير أهلها بعدما قبض أهل العلم كما في الحديث الشريف، ومن مظاهر هذا الانقباض هو أن يقلد أساتذة وخاصة في الجامعات ميدان التخصص بالدرجة الأولى تدريس مواد ليست من اختصاصهم ولا ميولاتهم ولا حتى من طبيعة تكوينهم اللغوي والفكري والوجداني، كما يحدث مثلا في كثير من الجامعات العربية.

ومن هنا فقد يلقن هؤلاء طلبة العلم على منهج ناقص ومحرف، وفي بعض الأحيان ساقط وسافل ومتحامل، فيكون بذلك تحريف الطلبة وغشهم في تحصيلهم وقتل طموحهم في مهدهم، وبالتالي فقد يتخرج الكثير منهم على شكل ناقص وفضيع ومعوق إعاقات متفاوتة غالبا ما تكون مزمنة لا ينفع معها العلاج مستقبلا، ولا يفضل منها إلا المتردية والنطيحة وما أكل السبع، مع العلم أن أولئك الأساتذة لا علاقة لهم بالتحصيل العلمي المتناسب مع الجامعة وتخصصاتها، وإنما هم دخلاء عينوا إما بالوساطات أو بالعصبيات والاعتبارات الذاتية والعرقية وما إلى ذلك مما لا علاقة له بالعلم وغايته الشريفة.

وبهذا فقد أصبح هيكل الجامعة في كثير من أروقتها ،بعدما كانت امتدادا للجامع العتيق والتاريخي الحضاري ،يميل إلى التهدم والتحول إلى مرآب للسيارات المعطلة والقاصرة عن اللحاق في السباق الجدي، إن لم نقل إلى مجمع للأشباح الفارغة من محتوياتها ،وباحة للكن والاستراحة على حساب البحث العلمي والتحقيق والتفعيل في الساحة العامة والخاصة كدور جوهري لأهل العلم والتعليم!

وهذا التجمع المظلم والبطالي قد يؤدي في كثير من الأحيان إلى التكاثف ضدا على أهل التنوير والتطوير، لأن هذا النوع وما يحمله من مناهج يخيف أهل الكن والبطالة، ويزعج أصحاب الرسوم في باب الأسجاع وتكلف الفصاحة، ولهذا نجد كثيرا منهم يعترضون إذا اقترح عليهم إضافة أستاذ إلى شعبتهم، وذلك لاعتبارات لا تمت إلى العلم بصلة كما سبق وقلنا، ولا إلى الأخلاق والاعتبارات الشرعية أو المنطقية المقبولة، إذ الرفض يكون ابتداء وبغير حجة، وبدون تحري أو تمهل أو حتى استفسار عن مستوى الشخص المقترح للالتحاق بهذه الشعبة أو تلك، سواء تعلق الأمر بشعب ذات طابع ديني وتاريخي أوذات صفة أدبية وكذلك قانونية و علمية بحتة،وهذا ما كثر شيوعه وترتب عنه مشاكل وصراعات لا تليق بالعلم ورجاله . إذ المشكلة الرئيسية ليست علمية بالدرجة الأولى وإنما هي أخلاقية وسلوكية وإن كان الأصل يعود إلى النقص المبدئي في التكوين العلمي العام.

ثانيا: الجامعة العلمية بين الذاتية الانتخابية والتكتلات الحزبية والمذهبية

ومن هنا فقد لوحظ أن هذه المؤسسات يغلب على أصحابها طابع التكتلات الحزبية أو المذهبية، أو لنقل التجمعات النفعية التي لا علاقة لها بمقتضيات الجامعة وغاياتها العلمية الموضوعية التي لا تتأثر بأهواء زيد أو عمرو، لكن هذه التكتلات قد تضيق ساحتها وتتلاشى بنفسها عند الاضطلاع بالزعامات النقابية مما يترتب عنه فشل رجال العلم والتعليم حينما لا يكادون أن يتفقوا على ما يصطلح عليه بالأرضية التوافقية عند المطالبة بحقوقهم المادية والمهنية، مما يترتب عنه اختلال في التكتلات والوقوع في مصيدة مماطلة وتسويف الحكومات المتعاقبة دون تحقيق نتيجة مرضية لحل مشاكلهم. وذلك كله راجع إلى التبعية الحزبية والسياسية من هذه الفئة أو تلك لهذا الحزب أو ذاك. وعندما تختلط السياسة الظرفية بالجهاز التعليمي حينئذ تضيع الحقوق والمصالح وتبرز الصراعات والطموحات الشخصية مما هو معلوم وما خفي كان أدهى !.

ومن هذه العقليات والبطاليات فقد يرفض تعيين أستاذ مبرز في شعبة ما  رغم إلحاحه في الالتحاق بها ولأسبابه الموضوعية والشخصية المبررة لذلك، فيكون هذا الرفض لا مبرر له سوى أن فئة من الأساتذة المتكتلين هنا أو هناك قد لا يوافق مذهبيتهم مذهبيته، سواء كانت ذات صفة دينية محضة أو ذات خلفية سياسية وحزبية، مع العلم أنه ربما يكون الأستاذ المقترح أمكن علما وأغزر إنتاجا وأدق تخصصا قد يستفيد منه الطلبة والأساتذة وسمعة الكلية والجامعة بوجه ما.

وهذا الوضع الذي تردت فيه الجامعات العربية، ولربما حتى الغربية، ليس من نسج الخيال أو من دافع التحامل على فئة معينة، وإنما هو واقع معيش يعرفه الكثير من الأساتذة المقترحين ويعانون منه، حتى إن الجامعة قد أصبحت في بعض مرافقها عبارة عن حزب وملكية خاصة تتخذ فيها القرارات بحسب الأمزجة وترفض أو تقبل دون مراعاة للفئات المعطلة من المنتجة.

وهذا الوضع وما تحته من مناورات ودسائس ربما قد يصل إلى وضع سيء لا يليق بواقع العامة من الناس بله علمائهم، مما أدى إلى حصول بطالة حقيقية في كثير من الكليات والجامعات واندثرت نزاهة العلم وقدسيته، وأصبح أهل التعليم عبارة عن مجموعة أفراد تتحكم فيهم الخطابات الحزبية من خارج أسوار مؤسساتهم ويغلب عليهم الطابع الغوغائي في النقاشات والارتجال عند الاقتراحات، لأن الأمور كما سبق وقلنا قد وسدت إلى غير أهلها فأصبح الوضع كما يقول الشاعر:

يا معشر العلماء يا ملح البلد          ما يصلح الملح إذا الملح فســد

خاصة وأن علم الأخلاق يكاد يندثر أو لا يوجد له أثر، والتصوف الذي يمثل لبّ العلوم الإسلامية وروحها يحارب ويهدر معناه بإسناد تدريسه إلى من لا يفهمه ولا يستحق تناوله، ومن ثم فقد تكون الخسارة مزدوجة في بعض الجامعات لا يخفى حالها على أحد.

وهذه الخسارة قد تتمثل في ضياع العلم وتضييع الأخلاق والسلوك إضافة إلى ضياع منهج التحصيل والتوصيل، وبالتالي تخرج أفواج من الطلبة على أسوأ صورة من البطالة المركبة، وهي البطالة الفكرية والأخلاقية وأيضا البطالة المهنية وتحصيل المعاش. لأنه كما يقال “إذا قسا القلب لم تنفعه موعظة كالأرض إن سبخت لم ينفع المطر” وعند هذا يستطرد ابن عباد النفزي في شرح حكمة مناسبة لابن عطاء الله السكندري قائلا: “تنتقش نفوسهم وتتقوى صفاتها وتظهر آثار ذلك على ظواهرهم من التكالب على الدنيا والركون إلى من هي عنده من أبنائها المترفين وليس لهم ما يتوسلون به إليهم سوى علمهم فيحتالون على تحصيل إقبالهم عليهم وصرف وجوههم إليهم بالتفنن عندهم بأنواع من الحيل ولا يسلمون في ذلك من الرياء والتصنع والنفاق والدهان، ويجرهم ذلك إلى أنواع من المحظورات وضروب من العصيان مع ما يحل بهم في ذلك من الذل والهوان، فإذا قالوا ذلك أو بعضه حصل لهم مقصود نفوسهم وتمكنوا من جميع حظوظهم، فخرجوا من الحرية إلى استعباد الأغيار، واستبدلوا بالجهل النافع العلم الضار، وقد قال الفضيل بن عياض رضي الله عنه: لو أن أهل العلم أكرموا أنفسهم وشحوا على دينهم وأعزوا العلم وصانوه وأنزلوه حيث أنزله الله لخضعت لهم رقاب الجبابرة وانقاد لهم الناس وكانوا لهم تبعا وعز الإسلام وأهله، ولكنهم أذلوا أنفسهم ولم يبالوا بما نقص من دينهم إذا سلمت لهم دنياهم فبذلوا علمهم لأبناء الدنيا ليصيبوا بذلك ما في أيدي الناس، فذلوا وهانوا على الناس، ولله در الشاعر رحمه الله حيث يقول:

 يقولون لي فيك انقباض وإنـما           رأوا رجلا عن موقف الذل أحجـما

إذا قـيل هذا مورد قلت قـد أرى        ولكن نفس الحر تحتمل الظمـا

ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي      لأخـدم من لاقـــيت إلا لأُخدمــــا

أأغرســه عــزا وأجنــيه ذلــــة          إذا فاتبـاع الجهل قد كـــان أحزمـا

ولو أن أهل العلم صانوه صانهم        ولو عظموه في النــفـوس لعظما

ولكن أهانـوه فهانوا ودنسـوا       محيـاه بالأطمـاع حتـى تجـهمــــا.[2]

 

 

 

[1]  جزء من حديث رواه البخاري في كتاب العلم حول تضييع الأمانة.

[2]  ابن عباد النفزي: شرح الحكم – مكتبة أحمد بن نبهان وأولاده ج 2 ص 53-54.


شاهد أيضا