المساجد والزاويا بمدينة شفشاون... المسيد - بريس تطوان - أخبار تطوان

المساجد والزاويا بمدينة شفشاون… المسيد

بريس تطوان

كان المسيد أو الكتاب يوجد في كل حي من أحياء المدينة، وكان الفقيه يشرف فيه على تعليم القرآن الكريم للأطفال الذين يتفاوتون في السن وفي المستوى؛ فالفقيه يملي آيات قرآنية على هذا وذاك، كل حسب الحزب الذي وصل إليه. كما يعلم الحروف الهجائية للمبتدئين الذين لا يعرفون القراءة والكتابة.

الوسائل التعليمية في المسيد تتكون من اللوح والصلصال والقلم القصبي والصماخ والداوة المصنوعة من الطين التي توضع بها قطعة من الصوف ويصب داخلها الصماخ ليغمس “المحضري” (المتعلم) فيها القلم ثم يشرع في كتابة الآيات القرآنية على لوجه. ويجلس التلاميذ على الحصير أو على قطع من الفلين مساطلة الشكل، أو على جلود الماعز والغنم.

ويعرف المسيد طقوسا يومية للكتابة. تحدث عنها عبد الكريم الطبال قائلا: “تبدأ صباحا بمحو اللوح، ثم بمسحه بالصلصال الأبيض. ثم بتعريضه للشمس، وهذه العمليات الطقوسية تتم كلها في الروض الملحق بالقاعة المخصوصة للحفظ والإملاء والزحام بالمناكب التي يتصدرها الفقيه، وفي هذه القاعة تتابع الطقوس اليومية الصباحية بالكتابة وفق إملاءات الفقيه المختلفة حسب المستويات، وبالنسبة إلى الجدد، يكتب الفقيه على كل لوح حرفا أو حرفين مع إصدار الأمر بتقليده ومحاكاته في نفس اللوح، وحينما تنتهي فروض الكتابة، يبدأ الترديد الجماعي من أجل الحفظ عن ظهر قلب، ويستمر الترديد طيلة الصباح. ثم يستأنف بعد فترة الغذاء، وهي فترة استعجالية جد قصيرة، ليستمر إلى وقت الغروب، ثم يختم بالإملاء أمام الفقيه وقوفا وبدون لوح، وهو امتحان عسير وشاق، قد تكون نتيجته أحيانا جلدا بالقضيب المرهف الحاد”.

ومن المعروف أن فقهاء الكتاب كانوا يتصفون بالصرامة والقسوة فكانوا ينزلون أشد أنواع العقاب على كل من تخلف عن حفظ لوحه، أو ارتكب خطأ كهروبه من الكتاب، أو كان ضحية وشاية كاذبة من زملائه الذين يستمتعون بمشهد العقوبة الذي يشبه مشهدا من مشاهد مسرحية هزلية درامية يختلط العويل والبكاء فيها بالهزل والضحك. ومن الأقوال المعروفة في ذلك العهد “أقتل، وأنا أدفن”؛ يقولها الأب للفقيه حين يلتحق ابنه للمرة الأولى بالكتاب، فيسمعها الصبي الذي يعلم أنه سيدخل عالما لا يعرف فيه بذرة من شفقة أو رحمة، فيسيطر عليه الخوف منذ الوهلة الأولى، ولن يتخلص منه بسهولة حتى بعد مغادرته الكتاب والتحاقه بالمدرسة، وقد يعشش الهلع والخوف في نفسه سنوات طويلة حتى بعد أن يصير رجلا. كان يطلق على العقوبة في المسيد “التحميلة”، وهي مهمة يقوم بها أكبر تلاميذ الكتاب حين يمسك بكل قوة قدمي الصبي المعاقب ويرفعهما في في الهواء لينهال عليهما الفقيه بالضرب الشديد المبرح بقضيب “السفرجل” الذي يحدث آلاما شديدة بالقدمين حيث يلتوي عليهما لليونته، وكلما اشتد الصراخ والبكاء، أو توسل الصبي إلى الفقيه أن يرحمه من هذا العذاب، ازداد بطشا برجليه.

الكتاب: شفشاون… ذاكرة المكان 

الكاتب: عبد الواحد التهامي العلمي

المركز العربي للدراسات الغربي

(بريس تطوان)

يتبع…

 


شاهد أيضا