المرأة التطوانية والعمل الوطني بعد نفي محمد الخامس - بريس تطوان - أخبار تطوان

المرأة التطوانية والعمل الوطني بعد نفي محمد الخامس

بريس تطوان

كانت المرأة ولا زالت تعتبر عنصرا محركا لوطنها في حركة الاستقلال وبناء الوطن، وشريكا كاملا في المواطنة على المستوى الإنساني والاجتماعي والتنموي. فدور وكفاح المرأة المغربية داخل صفوف الحركة الوطنية في معظم المدن حقيقة لا بد من التأكيد عليها، والتذكير بأهميتها في تحقيق الاستقلال والتحرر، فعندما أدركت الحركة النسائية بوعي أن حرية المرأة لا تنفصل عن حرية الأوطان خرجت تطلب العلم وتنشر الوعي الوطني وتدعو النساء للمشاركة في معطيات الحياة ومعركة التحرر من الاستعمار ومن التخلف.

وقد انتبه المجتمع التطواني مبكرا إلى أن المرأة والرجل هم شركاء في هذا الوطن، سواء من جانب حقهم في خيراته، أو من جانب واجباتهم اتجاهه، لذا لم يكن غريبا أن تدخل المرأة التطوانية المدارس قبل غيرها من النساء عندما افتتحت أول مدرسة للفتيات في دجنبر 1937 وهي المدرسة الإسلامية للبنات – رقم 1 وأن تكون لها سنة 1936 المبادرة في تأسيس أول اتحاد نسائي بالمغرب المنبثق عن حزب الإصلاح الوطني ليمتد إشعاعه حتى الناظور والحسيمة والعرائش والقصر الكبير وأصيلا عندما تم فتح فروع بهذه المدن.

ونظرا لارتباط هذا الاتحاد بالحزب، كان طبيعيا أن ترتبط المرأة بالحركة الوطنية، وكان لها بهذا قصب السبق في ولوج العمل السياسي المنظم، إذ أصبحت المرأة التطوانية عضوا حركيا في تنظيمات الحزب وهيئاته، كما أصبحت جزء لا يتجزأ من حركة التحرير تقوم داخل لجانها وتجمعاتها بدور نشيط لدعم المقاومة.

كما لعبت دورا كبيرا في اندلاع الانتفاضة الشعبية على إثر الاعتداء على العرش ونفي جلالة السلطان محمد الخامس طيب الله ثراه، فحماسها وموقفها المؤيد لحزب الإصلاح الوطني، ترجمته إلى حركات احتجاجية: فألقت الخطب الحماسية وخرجت في المظاهرات إلى جانب الرجل رافعة شعارات التنديد بالاعتداء الذي تعرض له رمز الوحدة الوطنية، مطالبة بعودة جلالته واستقلال البلاد والتأكيد على وحدتها. وكانت النساء اللاتي لم يستطعن الخروج في هاته المظاهرات يعبرن عن احتجاجهم بطريقتهم الخاصة عندما كن يرمين جنود الاحتلال بالحجارة والماء الوسخ والساخن من فوق سطوح منازلهم.

كما ساهمت المرأة التطوانية أيضا في توزيع المناشير ونقل التعليمات والمعلومات بين خلايا الحزب ورجال المقاومة ونشرت المقالات الحماسية في الصحف الصادرة آنذاك بتطوان تذكي الشعور القومي لدى الشعب. ويعود أول مقال ثم نشره بتوقيع امرأة مغربية بجريدة وطنية حسب المرحوم الشيخ العلامة التهامي الوزاني إلى التطوانية رحيمو المعني سنة 1936 بجريدة الريف بعنوان : “فتاة مغربية تستنهض المغاربة”.

كما سهرت بنفسها على إعداد وتهيئ الطعام للفدائيين الفارين من منطقة الحماية الفرنسية، وقد كان لهن في ذلك نظام خاص يتبعنه وينفذنه، فحسب شهادة ذ. محمد ابن عزوز حكيم، فقد كان المرحوم عبد الخالق الطريس يحدد بنفسه العائلات التطوانية التي ستستقبل وتقوم بضيافة هؤلاء الفدائيين، ويعطي تعليماته بذلك إلى المكلف بموضوع تغذية الفدائيين المرحوم العلمي.

كما شاركت المرأة التطوانية في الاكتتاب الشعبي لإعانة منكوبي جنوب المغرب وأرامل الفدائيين، فتبرعت بمالها وحليها من ذهب وفضة وتنازلت عن مجوهراتها. وقد نشرت آنذاك جريدة “الأمة” لوائح بأسماء نساء الأسر اللاتي تبرعن بحليهن ومالهن لفائدة المقاومة.

كما ساهمت عبر لجنة المحسنات التابعة للاتحاد النسائي في جمع التبرعات حيث كانت عضوات هذه اللجنة يمررن على البيوت لحث النساء على التبرع بما جادت به أيديهن ولو كان بسيطا، وكن ينتقلن من أجل هذه الغاية حتى أبعد القرى، كل هذا من أجل دعم المقاومة وضمان استمراريتها.

ولم تقف المرأة عند هذا، فقد حولت الاتحاد النسائي إلى خلية لاستنهاض النساء كمجموعة إنسانية تشكل نصف تعداد الشعب، بتشكيل التنظيمات والتجمعات التي تذكي الوعي لديهن بقضية الوحدة الترابية، في إطار التحرر الوطني الشامل من الشمال إلى الجنوب والمطالبة بعودة رمز الوطنية من منفاه. ولقد أحست السلطات الإسبانية بالتأثير الذي يمارسه الاتحاد النسائي في التوجيه والتوعية والتنسيق بين خلايا الحزب، الأمر الذي دفع بها إلى فتح عيونها على الاتحاد وتتبع حركات عضواتهن معللة هذه المراقبة كون الاتحاد النسائي جمعية غير مرخص لها تمارس نشاطا غير قانوني. في الوقت الذي كان يعتبره حزب الإصلاح الوطني من التنظيمات الموازية للحزب.

وتوجد بخزانة الأستاذ ابن عزوز حكيم عدد كبير من البطاقات الاستخبارية التي أعدها قسم المخابرات التابع لنيابة الأمور الوطنية حول الاتحاد النسائي ونشاط عضواته. وكان للمرأة التطوانية موقف احتجاجي بارز من قضية تجديد البيعة لجلالة المغفور له محمد الخامس التي دعا إليها حزب الإصلاح الوطني يوم 29 أبريل 1953 عندما لم يدعها الحزب للمشاركة في التوقيع على وثيقة البيعة، معتبرة ذلك إقصاء لها علما أنها شكلت دوما جزءا لا يتجزأ من المقاومة.

وبالرغم من الدور الذي لعبه حزب الإصلاح الوطني، وبجانبه الاتحاد النسائي بالنسبة لقضايا التحرر الوطني والقضايا الإنمائية بوضعها في سياقها الاجتماعي الاقتصادي الثقافي السليم. إلا أن هذه التنظيمات لم تستطع أن تخرج بالمرأة عن نطاق العمل الخيري والتوعية والتوجيه، وإذكاء روح الحماسة لدى الآخر. ولم يصل بها إلى مستوى المشاركة الفعلية في الجهاد وحمل السلاح، إذ بقي دورها محدودا، فلم تستطع المرأة التطوانية أن تلعب دورها كشريك كامل للرجل في المقاومة الوطنية، ويعزى ذلك إلى كون البنى الأساسية لم تكن تسمح لها آنذاك بذلك نظرا لمسؤولياتها الأسرية من جهة، ونظرا لعدم استيعابها ووعيها بذاتها كإنسان منتج وشريك كامل في صنع المواطنة، الأمر الذي جعل دورها ينصب أساسا في معركة الحرية والاستقلال على ترسيخ قيم الوطنية في نفوس أبنائها ووجدانهم وتربيتهم على السمات والخصال الإسلامية الحميدة، والوقوف بجانب زوجها تساعده في مسؤولياته الجسام اتجاه الوطن متحملة عنه المسؤولية الكاملة داخل البيت ليتفرغ للعمل من أجل الحركة الوطنية، فلا يمكن الحديث عن زعماء الحركة الوطنية في تطوان، دون أن نجد ذكرا للنساء اللاتي وقفن بجانبهن يشددن أزرهم وعزيمتهم. وإلى جانب هذا الدور التربوي، كان لها دور التأطير لبنات جنسها، وتوعيتهن بالقضية الوطنية، فألقت الخطب الحماسية، ونشرت المقالات ووزعت المناشير، وخرجت في المظاهرات.

و لم يهدأ لها بال إلى أن عاد رمز وحدة البلاد من منفاه، لتبدأ المرأة التطوانية رحلة جديدة نحو بناء الوطن، وقعتها وهي تمشي حافية القدمين من باب الحد الرباط إلى المشور السعيد عندما شكل الاتحاد النسائي وفدا كبيرا من نساء تطوان انتقل إلى الرباط لتهنئة المغفور له محمد الخامس بسلامة العودة من المنفى.

ورغم أن التاريخ لم يقدم شيئا يذكر للمرأة الشمالية عامة والتطوانية خاصة، فإن ذاكرة أهل تطوان زاخرة بالأسماء النسائية التي ساهمت في صنع الاستقلال وبناء الوطن، فلا يمكن الحديث عن حزب الإصلاح الوطني والاتحاد النسائي دون أن نذكر المرحومة راغونة أرملة أب الحركة الوطنية الحاج عبد السلام بنونة، هذه السيدة التي سنخص لها تقديما لحياتها لارتباطها الوثيق بزوجها الذي كان له دور الريادة في تأسيس الحركة الوطنية بالشمال.

ولدت السيدة أم كلثوم راغون بمدينة تطوان من والدها الحاج العربي راغون من أعيان مدينة تطوان، شغل منصب باشا المدينة مع الباشا الحاج أحمد الطريس، والدتها السيدة الفاضلة الحاجة أم كلثوم بن جلون تزوجت بالحاج عبد السلام بنونة أواخر سنة 1926 وعمرها لا يتجاوز 18 سنة، درست بالمسيد وتعلمت على يد الفقيه القرآن ومبادئ الصلاة، حملت على عاتقها هموم النساء فاستطاعت أن تحقق حلم المرأة في تخطي القيود وإثبات الذات عندما أسست بمعية مجموعة من النساء التطوانيات أول اتحاد نسائي بالمغرب تحت رئاسة السيدة خدوج الركينية وبعضوية كل من أم كلثوم الخطيب حرم محمد أفيلال وزير العدل سابقا وفطومة الوهبية وخدوجة بنت علي الخطيب وخدوجة الرهوني ورفيعة العمراني، خديجة السلاوي حرم الأستاذ المهدي بنونة، فاطمة بن عمر، خدوج أفيلال حرم زعيم الأمة الأستاذ عبد الخالق الطريس…

خلال سنوات زواجها أعطت المرحومة أم كلثوم راغون اهتمامها لتدبير شؤون مترلها اعتبارا لموقع زوجها، فقد كان بيتها قبلة لاستقبال كل الشخصيات والوفود المتوافدة على المدينة من المنطقة السلطانية أو من الخارج أمثال الأمير شكيب أرسلان، مولاي عبد الرحمن بن زيدان وجل رجالات الحركة الوطنية بالجنوب كالحاج أحمد بلفريج وعلال الفاسي وأحمد مكوار والحاج عمر بن عبد الجليل، ومحمد بن الحسن الوزاني وغيرهم… كما كان بيتها مقرا لجل اجتماعات الحركة الوطنية. وبعد وفاة زوجها سنة 1935 ظل بيتها مفتوحا في وجه اللاجئين والمضطهدين والمنفيين من المنطقة السلطانية الخاضعة للحماية الفرنسية أو من طنجة الخاضعة للنفوذ الدولي، ونخص منهم بالذكر د. عبد الوهاب بن منصور، البائول الصبيحي، المختار أحرضان، محمد العرفاوي، المختار بنعلي وغيرهم.. الذين نزلوا ضيوفا عليها معززين مكرمين طول فترات أزماتهم، كما كان بينها بجانب آل عبد الخالق الطريس مقرا للاجتماعات السرية للحن الكتلة الوطنية في البداية، وحزب الإصلاح الوطني منذ التفكير في تأسيسه إلى أن برز للوجود، وكانت الوحيدة التي تعرف الجوانب الخفية التي أعدت بالبيت لطبع وإخفاء الوثائق السرية للحركة الوطنية.

كما عملت من خلال الاتحاد النسائي على محاربة الأمية في صفوف المرأة وتعليمها بعض المهن اليدوية كالطبخ والخياطة والمساهمة في توعيتها بالقضية الوطنية، كما أشرفت إلى جانب عضوات الاتحاد على بعض المدارس الخاصة بالبنات وكانت في طليعة المشاركات في المظاهرات المنددة بالاستعمار ونفي جلالة المغفور له محمد الخامس.

ومع نفي جلالة الملك محمد الخامس وبروز حركة المقاومة المسلحة ونزوح عدد من أعضائها إلى تطوان كان بيتها مقرا لاستقبال عدد من هؤلاء وبه عقدت مجموعة من الاجتماعات لتنظيم إقامتهم بالمدينة، كما أشرفت عدد من نساء المدينة عن تنظيم برنامج الأكل اللازم لكل أعضاء المقاومة اللاجئين والسهر على تنفيذه بدقة. وبعد عودة المغفور له محمد الخامس من منفاه كانت ضمن الوفد الذي زار الرباط لتهنئة جلالة الملك بسلامة العودة.

واستمر عطاء هذه السيدة في مختلف الميادين الاجتماعية إلى أن وافتها المنية سنة 2001، تغمدها الله برحمته الواسعة وأسكنها فسيح جناته.

المراجع :

* وثائق من خزانة الأستاذ محمد ابن عزوز حكيم.

* منشورات المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير .

موضوع: المرأة الشمالية ودورها في مقاومة الاستعمار الأجنبي – المرأة التطوانية

نموذجا. للأساتذة ماريا دادي – دجنبر 1996. تطوان.

العنوان: تطوان وثروة الملك والشعب “من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر

الناشر: المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير

(بريس تطوان)

يتبع


شاهد أيضا