المجتمع التطواني.. لغة أهل تطوان - بريس تطوان - أخبار تطوان

المجتمع التطواني.. لغة أهل تطوان

بريس تطوان/يتبع…

العربية: ذكر المؤرخ أبو العباس أحمد الرهوني أن سكان تطوان هم خليط من عرب نازحين من الأندلس وغيرها، ومن برابر أصليين، ومن نازحين من نصارى ويهود. وأن العرب الأندلسيين قد أتوا بعربية مخلوطة بعدة ألفاظ أفرنجية، فأحدثوا لغة مؤلفة من عربية وبربرية وأفرنجية، كما خلطوها بشيء من الألفاظ التركية التي نقلها إليهم مهاجروا الجزائر.

 وقد خصص العلامة الرهوني لموضوع لهجة أهل تطوان فصلا خاصا في كتابه “عمدة الراوين في تاريخ تطاوين”، أدرج فيه العديد من الألفاظ والكلمات التي يتم تداولها في هذه المدينة، مما قد تختص به أو قد يميزها عن غيرها.

كما حاول الأستاذ محمد داود أن يعطي موضوع لهجة أهل تطوان عناية خاصة، فهيأ فذلكة في هذا الموضوع، تمهيدا لبحث مستفيض فيه، إلا أنه لم يواصل العمل في ذلك، فبقي مشروعا دون استكمال. وقد اقتطفت معلومات من هذه الفذلكة، جعلتها كتمهيد أو مدخل لهذا الموضوع، حيث إنه قد أثبت أن اللغة الوحيدة التي يعرفها ويتكلم بها جميع أهل تطوان هي اللغة العربية، مشيرا إلى أن المستعمل منها في الحياة العادية ومطلق المعاملات، إنما هو الدارجة العامية، أما الفصحى منها فتؤلف بها الكتب، ونكتب بها الرسائل والعقود، وتلقى بها في ظروف خاصة الدروس العلمية والاجتماعية والسياسية، والخطب الدينية في الجمع والأعياد والحفلات ونحو ذلك. ومطلق الناس بتطوان، لا فرق بين العامة والمثقفين وغيرهم، كلامهم كله بالعربية الدارجة التي لا تتقيد بقواعد النحو والصرف المعروف في الفصحى.

وقبل الدخول في صميم الموضوع، يجمل بنا أن نقول كلمة عما كان معروفا بتطوان قبل عهدنا هذا، من لغات غير اللغة العربية. ودونك ملخص ذلك:

الشلحة: وتعني بها اللغة الأصلية التي كان سكان المغرب يتكلمون بها قبل دخول العربية والإسلام إلى هذه البلاد، وفيها لهجات متعددة تتفق حينا وتختلف أحيانا. فمنها الريفية (تريفيت)، وتتكلم بها قبائل الريف الواقعة على شواطئ البحر الأبيض المتوسط بالشمال الشرقي رمن المغرب، في نواحي مدن مليلية والناظور والحسيمة، إلى حدود قبائل غمارة الجبلية. ومنها السوسية (تشلحيت)، وتتكلم بها قبائل سوس الواقعة في جنوب المغرب على شواطئ المحيط الأطلسي، في نواحي مدن أكادير وتيزنيت وتارودانت. ومنها البربرية الأمازيغية (تمازيغت)، ويتكلم بها قبائل جبال الأطلس وما إليها … إلخ.

وورود الأفراد والعائلات على تطوان، من القبائل المغربية التي لا يتكلم أهلها بالعربية، معروف من قديم، إلا أن الذين يحافظون منهم على لغتهم اّلأصلية إلى جانب تكلمهم بالعربية هم الواردون بأنفسهم، أما أبناؤهم، فإنهم يتكلمون باللغتين العربية والشلحة، ثم مع المدة تضمحل لديهم كل لغة غير العربية.

الإسبانية: واللغة الإسبانية في بلاد المغرب، هي اللغة الوحيدة المستعملة في مدينتي سبتة ومليلية، وهما المدينتان المغربيتان اللتان احتلتهما إسبانيا بالقوة العسكرية منذ عدة قرون، وألحقتهما سياسيا وإداريا بإسبانيا، وملأتهما برعاياها الإسبانيين.

وهذه اللغة شائعة بكثرة في مدينة طنجة المغربية، بعد اللغة العربية التي هي لغة البلاد، أما في مدينة تطوان، فكانت الإسبانية معروفة بها من قديم، أولا لوجود جالية لإسبانية تتكلم بها من قديم، إلا أنها قليلة العدد، وثانيا لأن يهود تطوان كلهم يتكلمون بها، إلى جانب اللغة العربية، ذلك لأن لأولئك اليهود، جلهم من مهاجري الأندلس إلى تطوان (السفارديين)، بعد أن ظلوا في إسبانيا سنين طوالا بعد القضاء على الإسلام والعروبة بها، فاندمجوا في الأوساط الإسبانية بها وصارات لغتهم هي الإسبانية.

ولم تكن الإسبانية – كلغة تعامل – منتشرة في الأوساط الأهلية بتطوان قبل بسط الحماية الإسبانية على شمال المغرب عام 1331 هـ 1913م، إذ لم يكن يعرفها إلا الأشخاص الذين سافروا إلى الخارج، وخصوصا للتجارة بمدينة جبل طارق، التي كان عدد من أهل تطوان يتجرون بها، أو أشخاص تعلموها في المدارس الإسبانية أو اليهودية، وعددهم قليل. إلا أنها قد انتشرت بعد ذلك بكثرة في مختلف الأوساط، إذ كانت هي اللغة الرسمية لدى الفئة العلمية التي كانت قاعدتها هي تطوان، وبها كانت تلقى دروس العلوم والفنون في مختلف المدارس والمعاهد. إلا أن شأن هذه اللغة قد أخذ يضعف من جديد، بعد إحلال العربية محلها وانتهاء عهد الحماية الإسبانية على الشمال المغربي، واسترجاع لحريته واستقلاله.

ولله من الجدير بالذكر هنا، أن التطوانيين – بالرغم من إتقانهم للغة الإسبانية ودراستهم بها وممارستهم لها أثناء فترة الحماية – فإنهم لم يكونوا يستعملونها في بيوتهم ومحادثاتهم اليومية، لأن هذه اللغة لا تطغ عليهم ولم تفرض وجودها بشكل ملحوظ، كما أن التطوانيين لم يسمحوا لها بالتغلغل في حياتهم اليومية كما هو الحال بالنسبة للغة الفرنسية في جنوب المغرب.

بقية اللغات الأجنبية: أما عن بقية اللغات الأجنبية، فالفرنسية لم تكن معروفة بتطوان إلا في وسط ضيق جدا، إذ كانت تدرس في مدرسة عربية فرنسية عدد تلاميذها قليل، كما كانت تدرس في المدرسة الإسرائيلية التي لم يكن يدرس بها اليهود، أما في الأوساط الشعبية، فلم يكن أحد يعرفها. والإنجليزية والإيطالية والألمانية وبقية اللغات الأوربية، كانت في حكم العدم، إذ لا يتكلم بها إلا أفراد قليلون ممن كانوا يقصدون هذه المدينة لغرض من الأغراض.

وفي عهد الحماية، وفد على تطوان بعض الهنود الذين كانوا يتكلمون فيها بينهم بلغتهم، ولكنها لغة خاصة بهم لا يعرفها هنا أحد غيرهم. أما اللغات البرتغالية والروسية واليابانية والصينية وما إلى ذلك، فما أظن أنه كان بتطوان فرد واحد يعرف منها شيئا.

العنوان: تطوان، سمات وملامح من الحياة الاجتماعية

ذ.حسناء محمد داود

منشورات مؤسسة محمد داود للتاريخ والثقافة


شاهد أيضا