المجتمع التطواني... أخلاق أهل تطوان - بريس تطوان - أخبار تطوان

المجتمع التطواني… أخلاق أهل تطوان

بريس تطوان/يتبع…

لو أننا لم نتعرض إلا لذكر الأخلاق الفاضلة التي يعرف بها أهل تطوان، لدخلنا في باب “مادح نفسه يقرئك السلام”، ولكن لا شك أن الاعتراف بالفضل لأهله فضيلة، وأنه لا موجب لنكران ما يحمد لأهل هذه المدينة من شيم يعرفون بها منذ قديم الزمان، وإن كان هذا لا ينفي أنهم – كباقي البشر في جميع أنحاء الدنيا – لا يخلون من نقائص أو صفات قد يعدها البعض عيوبا، ولله في خلقه شؤون. لكن مع هذا وذاك، فإننا سنتعرض لما عرف به أهل هذا البلد الطيب من شيم غالبة على أهلها، تاركين الانتقاد أو الاستحسان لمن يريد ذلك. فأهل تطوان كما عرفناهم:

أهل أدب ولطف ورقة حاشية: وخير من يحدد لنا بعض محاسن أهل تطوان ومكارم أخلاقهم، مؤرخها الفقيه العلامة سيدي أحمد الرهوني، الذي قال عنهم إنهم أهل أدب ولطف ورقة في الحاشية، وأنهم أهل صدق وإخلاص في المعاملة، وربما كانت هذه الشيم الوازع الذي جعل كثيرا من السلاطين يعتمدون عليهم في المناصب العليا والمهام الجسيمة للدولة، حيث قلد الكثيرين منهم وظائف عالية، كالنيابة السلطانية والوزارة والسفارة والأمانة… إلخ.

أهل همة وشهامة وغيرة وطنية: هذا ولقد عرف أهل تطوان منذ القديم بغيرتهم الوطنية وبحبهم لدينهم ولوطنهم إلى حد الهوس، فتطوان عرفت منذ القديم بأنها مدينة الجهاد والذود عن الثغور القريبة منها، وكانت بذلك مقرا لصنع السلاح الذي كانت تزود به المجاهدين المدافعين عن حوزة تلك الثغور، ومن هنا كان كثير من أبناء تطوان معروفين بإتقانهم للمهن المتعلقة بهذه الصنعة، حيث كانت بهذه المدينة دار لصنع السلاح عرفت باسم “دار البمبة”، بينما عرف من بين أبنائها كثير من السرايرية (صناع السرير الخاص بالمكاحل)، والجعايبية (صناع الجعبة المتضمنة للقذيفة)، والزنايدية (صناع الزناد).

ولا أدل على الروح الوطنية التي عرف بها أهل تطوان، من الأعمال التي قام بها المناضلون في فترة الاستعمار الأجنبي، حيث وقفوا وواجهوا وكتبوا وتظاهروا وكتبوا العرائض ووجهوا المطالب وطالبوا بالحقوق، كما أنهم قد تم سجنهم ونفيهم وحرمانهم من حرياتهم…، فكان ذلك دالا على شهامتهم وعلى إقدامهم وعلى إصرارهم للحصول على المكتسبات المستحقة واسترداد الكرامة والعزة والاستقلال والوحدة.

ولن أبسط الكلام في هذا المقام عن الأطوار التي قضاها التطوانيون في الكفاح ضد الاستعمار، حيث أترك الميدان للحديث عن ذلك للباحثين في شؤون التاريخ المفصل والمدعم بالحجج والوثائق الشاهدة على صدق تلك الأحداث. لكنني سأكتفي بالإشارة إلى بعض المظاهر التي من شأنها أن تبرز إلى أي مدى كان المجتمع التطواني يتجاوب مع المظاهر المساندة للنضال الوطني، وسألخص ذلك في نقط معينة:

أولا: عندما قدر الإله أن تخضع تطوان إلى دخول الأجانب إليها بعد “حرب تطوان” المعروفة سنة 1960م، لم يرض كثير من أبنائها بالرضوخ إلى حكم النصارى، الأمر الذي دفع بهم إلى الهجرة، مفضلين أن يضحوا بدورهم وممتلكاتهم وأعمالهم، من أجل البعد عن الخضوع للأجنبي، ومن هنا كانت هجرات أسر كثيرة من تطوان إلى طنجة أو إلى شفشاون أو غيرها.

ثانيا: مسألة وقوف الأسر التطوانية مع القضايا الكبرى، سواء منها الوطنية أو القومية، فقد كان أبناء تطوان في فترة لجوء المقاومين المغاربة من المنطقة السلطانية إلى تطوان، يدعمون هؤلاء المجاهدين اللاجئين، فكانت الأسر الميسورة تعد الطعام يوميا لهم، وكان ذلك عبر برنامج يهيئه حزب الإصلاح الوطني، يتضمن لوائح للأسر المسؤولة عن إعداد الطعام اليومي للاجئين بطريقة التناوب. وما زلت أذكر شخصيا، أن بيتنا كان عبارة عن ورشة نشيطة كلما جاء دورنا لإعداد الطعام لهذه الغاية، فكنا نسعد ونفرح بكوننا نساهم في عملية ذات غاية نبيلة من هذا النوع.

ثالثا: وبنفس الحماس والاستعداد، كان سكان تطوان يهرعون إلى مراكز التبرع بالمال والحلي وأغلى ما لديهم، من أجل دعم أول حزب مناضل من أجل الاستقلال في الشمال، وهو حزب الإصلاح الوطني. ونفس الحماس كنت تجده عند إثارة موضوع الوقوف مع إخواننا وجيراننا الجزائريين، وذلك لدعمهم في محنتهم ضد الاستعمار الفرنسي. ثم نفس الحماس أيضا تجده عند اشتداد أزمة فلسطين وحاجتها إلى الدعم، حيث كانت اللوائح تفتح من أجل جمع التبرعات والأموال الطائلة، التي يتم تسليمها للهيئات المسؤولة عن تمويل جبهة الكفاح الفلسطينية ضد الغزو الصهيوني الغاشم.

رابعا: وفي هذا الصدد، أسجل أيضا كيف كان فرح أهل تطوان واستبشارهم كلما أهل شهر نوفمبر رمن كل عام، ليستقبلوا عيدا كان من أعز الأعياد، ألا وهو عيد جلوس صاحب الجلالة الملك محمد الخامس على عرش أسلافه الكرام، إذ كان هذا العيد مناسبة لتأكيد اللحمة التي تجمع بين أجزاء المغرب، شماله وجنوبه، فكان الناس يتبارون في الاحتفاء بهذا العيد، وكانوا يزينون الأحياء والدروب والأزقة، فيعلقون سعف النخيل على الأقواس، ويمدون أسلاك المصابيح الكهربائية المضيئة، ويعلقون صور صاحب الجلالة الملك محمد الخامس على الجدران، ويفرشون الزرابي والمفارش في الدروب والشوارع، ويقيمون الحفلات، وتصدح الأصوات بالأناشيد الوطنية الحماسية، فتعيش تطوان أجواء أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها أجواء التضامن والتكافل والروح الوطنية الصادقة.

أهل حياء وكرم: ثم إنهم أهل حياء، يقل بينهم الصفيق الوقح، نساء ورجالا، وهو أهل كرم- على عكس ما ينسب إليهم من بخل أو شح – علما بأنهم ليسوا أهل ثراء أو غنى فاحش، وهم أهل اقتصاد وحسن تدبير في المعيشة، يتخذون من المثل القائل (التاويل غلب التجارة) شعارا لهم في الحياة، فهم يسعون في الظهور بالمظهر الأنيق المناسب في مسكنهم وملبسهم ومأكلهم ومشربهم، مع التمسك بالتعفف عما بأيدي الناس من الحرام، والقناعة بما بين أيديهم من المكسب الحلال، مهما كان قليلا، والتحلي بعزة النفس التي تجعلهم لا يتملقون لمخلوق في تحصيل منفعة ولا دفع مضرة، ولو أدى الحال إلى التضرر كما يثبت العلامة الرهوني.

ولعل ما ينسبه بعض أهل المدن المغربية – عفا الله عنهم – من صفة البخل لأهل تطوان، إنما هو ناتج عن كون التطوانيين ليس من عادتهم أبدا أن يصطحبوا الضيف بصفة ارتجالية، ليجلس على مائدتهم دون سابق إعلام لأهل البيت، فيقدم له ما تيسر من طعام، بل إنهم يفضلون أن يأتي الضيف بعد دعوة مسبقة، فتكون المائدة المعدة له مائدة طيبة، تحتوي على ما لذ وطاب من الطعان الذي يناسب قيمته، بينما يرى غيرهم أن المهم هو اصطحاب الضيف إلى المائدة، ولو كانت محتوياتها دون المستوى.

أهل بساطة وتواضع: وهو أهل بساطة وتواضع، يحبون الحياة الهادئة ولا يميلون إلى الفخفخة والتظاهر بالثراء ولو كانوا أهل يسر وغنى، كما أنهم ينعمون بما لديهم من ثروة مهما كانت قليلة، ويحبون التنسيق والترتيب والنظافة في بيوتهم، ويعتمدون على حسن اختيار اللباس والفراش والأثاث، مهتمين بأن يكون كل ذلك بتناسق وانسجام، وذلك مهما كان مستواهم المادي ضعيفا.

أهل إحسان وبر: وهم أهل بر وإحسان وعناية بالفقراء والمساكين، يحبون الشرفاء والعلماء ويقدرونهم تقديرا دون تذلل، وقد يكون ذلك من باب التدين والالتزام بالأخلاق الإسلامية الفاضلة التي تحث على المكارم والفضائل. وأرى من المناسب في هذا الصدد أن أسجل كون أهل تطوان كانوا من السباقين إلى إنشاء جمعية خيرية إسلامية لإيواء الضعفاء والعجزة، وذلك في شتمبر من سنة 1932.

أهل كرامة وعزة نفس: كما أنهم أهل همة عالية ونفس أبية، لا يرضون بالإهانة مهما كان مصدرها، ويأبون أن يرضخوا لمن له سطوة ممن يستبعدون الناس ويذلونهم، عزيزو الجانب فلا يرضون بالسؤال والطلب للحكام وذوي السلطة. هذا إلى كونهم ذوي غيرة على عرضهم وشرفهم وحماهم، فلا يرضون بالذل ولا بالإهانة من أحد مهما كان شأنه. ولعله من المناسب هنا أن نشير إلى مثل كثيرا ما يردده بعضهم في بعض ما ينسب إلى التطوانيين من ضعف أو قلة حيلة أمام الصعاب والنكبات، حيث يتهمونهم بالجبن والضعف والخمول، لأنهم يقولون عن أنفسهم: “ما نضربوا، ما نهربوا، ما نقدوا على فتنة”، (أي لا نضرب، ولا نهرب، ولا نقدر على مواجهة الفتن)، والمعنى الذي يتبادر إلى الذهن هنا هو أننا قوم ضعفاء لا نكر ولا نفر، ولا نقوى على تحمل الفتن…، وقد شرح الأستاذ محمد داود هذا المثل في كتابه الخاص بـ (الأمثال العامية في تطوان والبلاد العربية) بقوله: إن هذه كلمة كان بعض المضحكين الذين يعيشون على فتات موائد بعض الولاة المتعجرفين، ينسبونها لبعض سكان تطوان، والحقيقة والواقع أن جل أهالي تطوان، بالرغم من كفاحهم المتواصل ضد الضعف الاقتصادي، كانوا منذ عمروا هذه المدينة، يجاهدون بأموالهم وأنفسهم وأسلحتهم ضد أعداء الإسلام والوطن، وبفضل ثباتهم وبطولتهم، سلمت مدينتهم من الاحتلال الأجنبي، في الوقت الذي احتل فيه الأجانب مدن الشواطئ المغربية، مثل مليلية وسبتة وطنجة و أصيلا والعرائش… إلخ.
ثم إننا تتميما لذلك كله، نضيف أن أهل تطوان ليسوا في الحقيقة أهل مبادرة بالهجوم والاعتداء على الغير، فهم على العموم أهل سلم وسلام، لا يضربون ولا يعتدون (ما نضربوا)، وهم في نفس الوقت أهل صمود وثبات، لا يفرون من المواجهة إذا اقتضى الحال ذلك (ما نهربوا)، علما بأنهم لا يرغبون في الفتنة التي قال عنها ربنا عز وجل إنها أشد وأكبر من القتل، وهذا هو الصواب، لأن ربنا عز وجل قد أوصى عباده فلم يأمرهم بالاعتداء، بل برد الاعتداء، وذلك بقوله: “فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم” (سورة البقرة – آية 194).

العنوان: تطوان، سمات وملامح من الحياة الاجتماعية

ذ.حسناء محمد داود

منشورات مؤسسة محمد داود للتاريخ والثقافة


شاهد أيضا