الليالي الحارة تسرق النوم وتحول تغير المناخ إلى تهديد صحي جديد

بريس تطوان

لم تعد موجات الحر تؤثر على صحة الإنسان خلال ساعات النهار فقط، بل باتت الليالي الحارة تشكل تهديدا متزايدا لجودة النوم، بعدما أظهرت دراسات حديثة أن ارتفاع درجات الحرارة ليلاً لا يؤخر الخلود إلى النوم فحسب، وإنما يقلل أيضاً من مراحل النوم العميق الضرورية لاستعادة الجسم نشاطه.

وحذر فريق دولي من الباحثين المتخصصين في علوم النوم من أن الاحترار الليلي قد يتحول إلى تحدٍّ صحي عالمي، داعين إلى إحداث آليات دولية لرصد العلاقة بين تغير المناخ واضطرابات النوم، بعدما أكدت عدة دراسات أن تأثير الحرارة يزداد كلما ارتفعت درجاتها أثناء الليل.

ووفق تقديرات الباحثين، فإن الليالي التي تصل فيها الحرارة إلى حوالي 27 درجة مئوية تؤدي إلى ارتفاع عدد الأشخاص الذين يحصلون على أقل من ست ساعات من النوم مقارنة بالليالي المعتدلة الحرارة، ما يجعل اضطرابات النوم أحد الجوانب الصحية لموجات الحر التي لا تحظى بالاهتمام الكافي.

وتأتي هذه التحذيرات بعد تراكم أبحاث اعتمدت على بيانات موضوعية جمعتها أجهزة قابلة للارتداء، عوض الاكتفاء بتقييم الأشخاص لجودة نومهم بعد الاستيقاظ.

وأظهرت إحدى أكبر الدراسات في هذا المجال، التي اعتمدت على ملايين السجلات اليومية للنوم، أن ارتفاع متوسط درجات الحرارة يرتبط بزيادة احتمال عدم الحصول على نوم كاف، إلى جانب انخفاض مدة النوم الإجمالية وتراجع فترات النوم العميق ونوم حركة العين السريعة، وهي المرحلة المرتبطة بالأحلام.

ورغم أن فقدان بضع دقائق من النوم في ليلة واحدة قد يبدو محدودا، فإن تكرار الأمر خلال فترات طويلة من موجات الحر يؤدي إلى تراكم ما يعرف بـ”دين النوم”، خاصة في المناطق التي تحتفظ فيها المباني والجدران بالحرارة حتى بعد انخفاض درجات الحرارة الخارجية.

ويعد النوم العميق من أكثر مراحل النوم تأثراً بارتفاع الحرارة، إذ يلعب دوراً أساسياً في استعادة الطاقة، وإصلاح الأنسجة، وتقوية جهاز المناعة. وعندما تتراجع هذه المرحلة بشكل متكرر، قد يستيقظ الشخص وهو يشعر بالإرهاق رغم بقائه ساعات طويلة في السرير.

وأشارت الدراسات إلى أن التأثير يكون أكبر لدى كبار السن، والنساء، والأشخاص الذين يعانون من زيادة الوزن أو أمراض مزمنة، إضافة إلى سكان المناطق التي ترتفع فيها الرطوبة، باعتبار أن الرطوبة تقلل قدرة الجسم على التخلص من الحرارة عبر التعرق.

ويحتاج جسم الإنسان قبل النوم إلى خفض حرارته الداخلية تدريجيا، وهي عملية تساعد على الانتقال إلى مراحل النوم المستقرة. غير أن ارتفاع حرارة الغرفة يقلل قدرة الجسم على التبريد، ما يؤدي إلى تأخر النوم وكثرة الاستيقاظ أثناء الليل بسبب التعرق أو الشعور بالعطش أو عدم الراحة.

وأكدت دراسات أخرى أن حرارة الليل تكون أكثر تأثيراً على النوم مقارنة بحرارة النهار، إذ ترتبط بزيادة الوقت الذي يبقى فيه الشخص مستيقظاً داخل السرير، وتأخر موعد النوم، واضطراب استمرارية مراحله المختلفة.

كما كشفت الأبحاث أن الأشخاص ذوي الدخل المحدود يكونون أكثر عرضة لتأثيرات الحرارة الليلية، بسبب ضعف إمكانية توفير وسائل التبريد أو العيش في مساكن تفتقر إلى العزل والتهوية الجيدة.

ولا تشير المعطيات العلمية إلى أن سكان المناطق الحارة يتكيفون بشكل كامل مع ارتفاع درجات الحرارة، إذ أظهرت الدراسات أن تأثير الحر على النوم يستمر حتى لدى الأشخاص المعتادين على المناخات الدافئة.

ولا تقتصر تداعيات قلة النوم الناتجة عن الحرارة على الشعور بالتعب، بل تمتد إلى ضعف التركيز وسرعة اتخاذ القرار، وزيادة احتمالية الأخطاء والحوادث، إضافة إلى تأثيرات طويلة المدى على تنظيم سكر الدم والشهية وضغط الدم والمناعة والصحة النفسية.

ويحذر العلماء من أن المدن قد تزيد من حدة المشكلة بسبب ظاهرة “الجزر الحرارية الحضرية”، حيث تمتص المباني والطرقات الحرارة خلال النهار وتطلقها ببطء أثناء الليل، ما يجعل تبريد الأحياء أكثر صعوبة.

وفي ظل استمرار ارتفاع درجات الحرارة عالمياً، يتوقع الباحثون أن تتزايد خسائر النوم المرتبطة بالحر خلال العقود المقبلة، ما يستدعي إدراج حرارة الليل ضمن سياسات الصحة العامة والتخطيط الحضري والسكن.

ولتقليل تأثير الليالي الحارة، ينصح المختصون باتخاذ إجراءات بسيطة، من بينها تهوية المنازل في الفترات الأكثر برودة، استخدام أغطية خفيفة، تجنب الوجبات الثقيلة والمنبهات قبل النوم، وشرب الماء بشكل منتظم خلال اليوم.

كما يوصي الخبراء بحمامات فاترة قبل النوم للمساعدة على تنظيم حرارة الجسم، مع التأكيد على أن ظروف النوم المثالية تختلف حسب العمر والرطوبة والملابس وحركة الهواء.

وتؤكد الدراسات أن مشكلة النوم خلال موجات الحر لم تعد مجرد مسألة مرتبطة بالراحة الشخصية، بل أصبحت جزءا من التحديات الصحية التي يفرضها تغير المناخ، إذ إن الليلة الحارة التي تمنع الجسم من التعافي قد تجعل الإنسان أقل قدرة على مواجهة حرارة اليوم التالي، في حلقة متواصلة من الإجهاد والإرهاق.


شاهد أيضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.