القليل من الرقي لن يضر - بريس تطوان - أخبار تطوان

القليل من الرقي لن يضر

شيء ما لصيق بالكتابة يدعى الجنون، شعرة رفيعة من الجنون تجعل القلم يدخل في نوبة يتيه عن مساره، أو بالأحرى المسار الذي رسمه له حامله.
كأن تستعد نفسيا وفكريا للكتابة في موضوع معين ثم تشرع في ذلك، قبل أن تتوقف للحظات لاستجماع أفكارك .. فتجد روحك تدندن في واد آخر، تحملك بقوة وتلقي بك في موضوع غير الذي قررت في بادئ الأمر ولا الذي توقعت أن تكتب فيه بتاتا!
هي مشاعر تجرفنا ونحن والقلم مساكين لا رأي لنا ولا قرار مسيرون أمامها وخاضعون…،
وكيف أظل على ديني وقد فاض الكأس بعد القطرة الأخيرة وصرنا مهزلة السنين وارتكبنا من الحماقات ما يكفي لندخل التاريخ من أسود أبوابه…! لا يسعني اللحظة إلا أن أعتذر من أحباب كنت قد وعدتهم بإهداء هذا الأسبوع من خلال هذا المقال قبل أن أخلف وعدي وأنا أغير وجهة القلم دون أن ثشعر بذلك حتى…!!
فما يقدمه اليوتوب المغربي لم يترك مجالا لا للإهداءات ولا للمناقشات الفكرية..،
باب شرعت أبوابه أمام الجميع لا رقابة ولا إطار ولا حدود، افعل ما شئت لك كامل الصلاحية في ذلك! لا تترك مجالا للخصوصية ولا للجانب الشخصي من حياتك، افصح عن أسرار بيتك كلها، عن مشاكلك الاجتماعية، عن مكامن ضعفك وقوتك، عن ما تفكر القيام به من تفاهات كي تحصد العدد الأكبر من المتابعين ثم ترفع الهامش الربحي بعد أن يسموك “مؤثرا” !!!
فمنذ أن صارت الحياة الشخصية تقدم على طبق من ذهب وتعرى أمام الملأ صار اليوتوب أشبه بجلسة عقيمة لا فاكهة تجنى خلفها، كل ما في الأمر تهافت في الابتذال وغوص في ما لا يستحب الغوص فيه -أو لا يجوز-.
هذه الأرضية الخصبة كان من المفروض أن تكون مساحة للتعبير عن الذات الإيجابية وعن الأفكار النيرة .. لكن شاءت الأيادي أن تصير غير ذلك؛
ولأننا مجتمع الفضائح بامتياز نعشق النبش في خصوصيات الغير وأسراره، فطبيعي جدا أن يكون المحتوى الذي يمثلنا أشبه ب “حمام تقليدي” للأسف! إلا من رحم ربي -وهم قلائل جدا- كيف لا وكل من ضاقت به السبل جلس أمام الكاميرا وأخذ يسترسل تفاصيل حياته..!
أكاد أفقد صوابي وأنا أصادف فيديوهات لأسر تتلاسن لساعات عبر اليوتوب أمام العالم، ما إن يفرغ الأول زاده حتى يخرج الثاني برد أسوء من الأول!
أكاد أفقد صوابي وأنا أشاهد سيدة تبكي وتنوح لنصف ساعة لأنها وجدت حشرة ببيتها!
بل أفقد صوابي وأنا أرى رجلا ناضجا يقدم النصائح للنساء لإنجاح علاقاتهن الغرامية!
بالله عليكم أ ليس الأمر مخجلا جدا؟! أ ليس الأمر يستدعينا إلى توقيع عريضة نطلب فيها إيقاف هذه المهزلة  ووضع رقابة صارمة على هذه الفئة من التجارة؟!
لن نصعد من القاع أبدا! صدقوني لن نصعد حيث الحضارة بتاتا!! سنظل في الحضيض ما دامت هذه النماذج تمثلنا في اليوتوب : تلك النافذة العالمية والتي لا تعترف لا بالحدود الجغرافية ولا غيرها .. (فملاسنة عائلة مغربية محرجة شاهدها آلاف المتابعين حول العالم)،
أ ليس مخجلا بالله عليكم؟! أرجوكم إرتقوا فالقليل من الرقي لن يضر، أرجوكم ارتقوا فالقاع والله قد ازدحم.
مريم كرودي/ بريس تطوان

شاهد أيضا