الفرق الواضح بين حرية التعبير ونشر التفاهة عبر منصات التواصل الاجتماعي - بريس تطوان - أخبار تطوان

الفرق الواضح بين حرية التعبير ونشر التفاهة عبر منصات التواصل الاجتماعي

تقوم حرية التعبير على تشكيل تركيبي، يتجاوز النمط القديم والمقيد لتلقائية الإنسان، إلى استحضار الواجب الأخلاقي لدى الفاعل الحريص على نفسه من الانزلاق في متاهات التفاهة التي تحدث عنها بتفصيل شديد “ألان دونو” في كتابه الموسوم (زمن التفاهة).

وإذا كان الأخير قد تحدث عن التفاهة المنهجية التي فرضت على البشرية في سياق محكم للإلهاء والتمرير، مستغلة تداعيات العولمة وزمن ما بعدها والتقنيات المصاحبة لها، فإن ما يميز التفاهة النمطية عن التفاهة الابتدائية غير المهيكلة، هو أن الأخيرة لم يكن ليلتفت إليها وتمجيدها وإعطائها مجالا كبيرا من البريق والإشعاع دون توظيفها من الأولى، والتي ستقضي لا محالة على ما تبقى من جمالية في اللغة والادب والفكر والإعلام وباقي فنون العيش والحياة.

لذلك نجد أنفسنا أمام تطور تقني منفلت عن المعايير الأخلاقية، ما دام أن منابر التعبير أصبحت متاحة، مجانية، وغير خاضعة لمدونات سلوك، ويوجد قصور قانوني في التدخل فيها أو تنظيم لها، سيما وأننا في جيل تعويم العمل الصحفي، الذي أعتُبر دوما قطب الرحى في مجال حرية الرأي والتعبير، بشكل أصبحت معه الصحافة لدى البعض هواية أكثر منها مهنة شريفة، فضلا عن التوظيف السيء للقانون، واستخدام مشاريعه ومقترحاته فقط في جعل آليات التعبير موجهة لخدمة مصالح معينة، قد تدعم من حيث لا ندري وبحسن نية، دواليب زمن التفاهة.

فالأمر أصبح شبيه إلى حد التطابق بما حدث عند اختراع المسدس، حيث أصبح الشجاع والجبان سواسية أمام آلة قاتلة، واليوم صح هذا الوصف لإسقاطه على حرية التعبير، ذلك أن إمكانيات التواصل الاجتماعي جعلت المثقف والواعي والجاهل، سواسية في القدرة على بث أفكارهم، ومع اعتبار الفراغ التشريعي القائم اليوم في بلادنا حول النشر والتذييع على منصات ووسائل التواصل الاجتماعي، فإن لغة الفوضى تصبح سائدة، ولا عقل أو حكمة يمكن أن يعلو عليها.

إذ تتخذ هذه اللغة الباهتة في مضمونها والقوية في توظيفها للمشترك الديني، أو لبعض عناصر الجاذبية المصطنعة، أشكالا متعددة، منها التطفل على تخصصات دون أساس أو تكوين علمي، بما يشكله الأمر من تهديد للصحة العامة أو لاستقرار المعاملات والعلاقات الاجتماعية، أو تعطيل المصالح، ومنها أيضا المساس بالخصوصية، عبر التشهير وحملات التشويه الفردية والجماعة.

على هذا المستوى قد نواجه بمقولة أننا في زمن الحرية، وليس من المناسب أن نحجر على الناس في تعاطيهم وتفاعلهم ومشاركاتهم عبر إمكانيات حققتها البشرية بعد تطور كبير، والأمر يتعلق بمجال عام يحكمه القانون، الذي لم يستثن من نطاقه أي شيئ، وما تكييف الوقائع الا عملية مفتوحة في وجه أهل الاختصاص، ولهم من الإمكانيات المتاحة ما يجعلهم قادرون على حماية الذوق العام والأخلاق الحميدة، وبالتالي فإن أي دعوة لتأطير هذا المجال بقوانين سيؤثر على انجازات البلاد في مجال الحريات العامة وتراكمها.

لكن إذا انطلقنا من الواقع فإن الرد على هذه الوسائل سيكون تحصيل حاصل فقط، ما دام أن بعض الخدمات العمومية أصبحت محل تشكيك من نجوم التعبير الإلكتروني الحر، وبعض المؤسسات العمومية التي يدين لها المغاربة بالتقدير والاحترام أصبحت موضوع أوصاف خارجة عن سياق الذوق الرفيع والآداب الإنسانية من بعض مشاهير منصات التواصل الاجتماعي، وأصبحت القضايا الوطنية موضوع تهكم ولو في سياق الدفاع عنها، بما يمكن معه أن يفرغها من عناصر قوتها الجدية، ويعطي الانطباع لدى المتلقي المعادي بتهافت نظرة المغاربة لقضاياهم الحقة.

ولمثل هذه السلوكيات من الأثر على حرية التعبير ما يجعلها في مهب الريح، ذلك أنه اختلط في هذا الغمار من الفوضى البئيسة، الحابل بالنابل، وأصبحت الصفحات الجدية موضوع هجر من المتلقي البسيط، أو موضوع تصنيف سلبي، واتهام بالتعقيد والتطرق المركب للمواضيع بسيطة.

كما أن ردود الافعال من جهات الضبط الاجتماعي لا تكون متوازنة، وهذا ما يعمق بطولة التفاهة التعبيرية الإلكترونية، فعندما يزج في السجن بصاحب تعبير منحرف يصبح موضوع تضامن من قبل متلقيه، وهم كثر، كما تصبح هذه الأجهزة الضبطية موضع انتقاد حقوقي، ما دام ان البشرية ماضية في الابتعاد عن سجن الأشخاص لمجرد التعبير عن أرائهم، وما يعتقدون.

إن الخارطة الاشكالية لهذا الموضوع تحيل إلى ما هو أبعد من التقنين والزجر، فالرهان بالدرجة الأولى يقع على عاتق الجمهور، والذي يفترض فيه أن يحقق رقابة ذاتية على سلوكه في التلقي، وأن لا ينساق الى المواد المسيئة لذوقه وقيمه، وفي هذا الصمام الأمن تفاصيل تتعلق بالجرعة القوية التي يمكن أن يحققها النظام التعليمي لضمان مناعة الذوق العام لدى المتلقي، فضلا عن ما يمكن أن تقدمه الدولة عبر القطاعات الوزارية المتعلقة بالثقافة والشباب والاعلام من دعم وتشجيع للنشطاء الذين يقدمون محتويات ترقى بصفحاتهم عن التفاهة، وفي ذلك نأي بالنفس عن شبهة السكوت عن تمييع المشهد الثقافي، تحقق من خلاله الدولة الأمن التعبيري على مستوى مواقع التواصل الاجتماعي.

هذه التدابير الاستعجالية التي تحتاج الى دعم عميق من المجتمع المدني، تبقى قاصرة دون الحسم النهائي بنصوص قانونية واضحة تقطع مع ما يعتبره البعض فراغا، على أن يعهد في ذلك الى أطر قانونية تنفتح على التجارب القانونية المقارنة وبروح حقوقية تضمن التوازن بين الحق في التعبير والحقوق في الخصوصية، وسلامة الذوق العام.

كما أن التوازن المنشود لا يمكن أن يتحقق دون توجيه الدعم العمومي الى خدمته، فالملاحظ أن الكثير من المنصات المنتقدة لا من خلال شكلها، ولا من خلال تناولها لمواضيع فضائحية وخاصة، تحضى بحصة مهمة من هذا الدعم، الذي قد يحقق الفارق إذا وجه وفقا لمعايير صارمة تتدخل في تحديدها القطاعات العمومية ذات الصلة بشراكة مع أهل الاختصاص والنشطاء في المجتمع المدني.

إن الدرس الحقوقي الأول الذي يتلقاه طلاب كليات الحقوق في المادة الجنائية ومادة الحريات العامة، والمواد ذات الصلة، وكذلك طلاب معاهد الصحافة، هو وجوب التميز بين حرية الرأي والتعبير، وما يخدش صفاء السريرة الاخلاقية لصاحب التعبير، ومع الأسف نلاحظ أن الدرس العلمي في كثير من الأحيان أقوى من الفهم الخاص لبعض نجوم المواقع والمنصات الاجتماعية الذين يتخذون من المشترك الوطني بما فيه الدين قاعدة للترويج لأفكارهم، وينزلقون بشكل مسف في مهاوي الرذيلة التعبيرية، وهي أشد مما يزعمون محاربته عبر خطاباتهم المدغدغة لهذا الشعور، وقد أظهر المغاربة قطعهم مع الاستعمال السيئ للدين في أكثر من مناسبة، ومن أجل إعطاء قيمة مضافة لهذا الموقف ان الأوان لسحب هذا الموقف على من يبتغي النجومية والاسترزاق من المنصات الاجتماعية، وفي ذلك دور حاسم كذلك للجهة الحكومية الساهرة على الأمن الروحي للمغاربة، وهو الدور الذي أن تظافر مع باقي المتدخلين سننعم حتما بمنصات تواصل اجتماعي تحمل صفحات تشع أملا، وفنا، وأدبا وعلما، ورياضة، وروحانية صادقة ووطنية حقة.

هشام استيتو

[email protected]


شاهد أيضا