"الفاعل والمفعول به" - بريس تطوان - أخبار تطوان

“الفاعل والمفعول به”

كما هو معلوم للعارفين للغة العربية ولقواعد النحو فيها، تتكوّن الجُملة الفعليّة من (فعل وفاعل ومفعول به) في حال كان الفعل مُتعدّياً، بمعنى أن استكمال معنى الجملة يستلزم وجود مفعول به أي من يقع عليه الفعل، وهذا على غرار التقسيم الذي جرّد به أنواع الأفعال الإمام والعالِم المصري ابن هشام الأنصاري (1309-1360 ميلادي).

والحال أن اللغة العربية تحتمل غياب أحد العناصر الأساسية في الجملة ألا وهو “الفاعل” الذي يقوم بالفعل، ويُعبَّر عن ذلك الغياب في النحو بما يُسمّى “الضميرُ المُسْتَتِر”، بمعنى أنه يكون هناك ضميرٌ غير مكتوب في الجملة يُحيلنا إلى فاعلٍ غير مذكور لكنّه محسوسٌ من خلال سياق الكلام.

واستناداً إلى هذه القاعدة النحوية وعند رؤية الأوضاع التي نعيشها في ألفيّتنا الثالثة، يُمكننا القول إن كل حدثٍ، مهمٍّ كان أو غير ذي أهمّية، هو عبارة عن “فعلٍ” يقوم به “فاعلٌ” مُعيّن على “مفعول به” مُحدّد. وصولاً إلى هذه النقطة من الحديث قد ينتاب بعضكم الفضول ويقول: ما هو الغرض من هذه المُقدّمة النحويّة؟ أو: هل هذا المقال عبارة عن درسٍ في النحو؟

الإجابة بكل بساطة تتجلّى فيما يُقْدِم عليه بعض الناس، ذكوراً وإناثاً – وقد عَمَدتُ ألّا أستخدم عبارتَيْ “رجالاً ونساءً” -، على وسائل التواصل الاجتماعي التي باتتْ وسائلاً للتّفكك الاجتماعي؛ فقد أسفَرت العديد من الإحصائيّات الوطنية والدّولية عن أن الهواتف الذكية أصبحت من المُسبّبات الرّئيسية في الارتفاع المُهول الذي تعرفه مؤشرات التراجع المدرسي وكذا قضايا الطلاق التي تكتظّ بها يوميّاً محاكم الأسرة. لكن ارتفاع هذه المؤشرات لم يُشكّل رادعاً لبعض المواطنات والمواطنين، بل انصبّوا مُتهافتينَ على الشُّهرة السريعة والدُّريهِمات السّهلة التي قد يجنونها من الهدايا التي تُلقى إليهم من خلال البث المباشر على إحدى المنصّات.

وإذا ما ألقينا بنظرة إلى الخارج، نجدُ أن مجموعة من الدول في العالم اتّخذتْ قرارات حكومية بمنع استخدام تطبيق “تيك توك” وصولاً إلى خذفه من هواتف الموظفين الحكوميين، وذلك لأسباب تختلف من بلدٍ إلى آخر. ففي جمهورية باكستان الإسلامية على سبيل المثال لا الحصر، قرّر هذا البلد في أكتوبر 2020 منع استخدام هذا التطبيق باعتباره يتضمّن مُحتوى “لا أخلاقي”. كما أن كلاًّ من السويد والدانمارك – وهاتان الدولتان معروفتان بعدائهما للإسلام – اتخذتا قراراً بحظر التطبيق “لأسباب أمنية”، الشيء الذي أدّى بالتالي باللجنة والمجلس الأوروبييْن إلى حظره في فبراير 2023. كما أن التطبيق مُنع من الاستخدام أيضاً في كل من الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وفرنسا والمملكة المتحدة.

لهذا، وبعيداً عن نظرية المؤامرة التي لا يؤمن بها العديد من الناس، يُطرَح السؤال التالي: هل يٌعتبر الشعب العربي “فاعلاً” في غياب موقفٍ حازم إزاء الأزمات التي تحدث في الساحة الدولية، خاصةً في قطاع غزة، أم يجبُ اعتباره “مفعولاً به” نظراً لحالة التغييب والتنويم المغناطيسي التي يوجد فيها عن طريق “السوشيال ميديا”. فإن حبّذنا الطّرح الثاني، فإلى متى سيظلّ “الفاعل” ضميراً مُستتراً؟


شاهد أيضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.